السبت، 2 أغسطس 2014

المفاهيم العقدية في أحداث غزة بين الثبات والضياع

علوي عبد القادر السقاف

ما أشبه الليلة بالبارحة.

كنتُ قد كتبتُ هذا المقال أثناء أحداث غزة قبل خمس سنوات ونيِّف، وها هي الأحداث تتكرر وحال كثير من المسلمين وللأسف إلى أسوأ، أمَّا الدُّول فهي على ما هي عليه من خذلان للقضية الفلسطينية وكأنها لا تعنيهم، وأمَّا العلماء[  ]  فسكوت مطبق إلا ممن رحم الله، وأمَّا الشعوب فلأول مرة في تاريخ الصراع مع اليهود[  ]  حول فلسطين[  ]  يتبجح المنافقون العرب بتأييدهم للصهاينة، وفي المقابل هناك أمران إيجابيان حدثا خلال هذه المدة:
الأول: ظهور وسائل جديدة من وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت بدرجة كبيرة في توعية الناس، وإظهار الحقائق، وفضح المنافقين.
والثاني: التقدم الملحوظ في نوعية الأسلحة التي استخدمتها حماس في الدفاع عن أرضها وشعبها، مما أقلق الصهاينة ودول العالم المناصرين لهم.

إقرأ المزيد Résuméaladdin

الثلاثاء، 8 يوليو 2014

قمعٌ صهيوني يُوحِّد وسلطةٌ فلسطينية تُفرِّق!

مصطفى يوسف اللداوي
نجح العدو ‫#‏الصهيوني‬ فيما فشلت فيه ‫#‏السلطة‬ والقوى ‫#‏الفلسطينية‬ المختلفة، فقد وحَّد قمعُه الشعبَ ‫#‏الفلسطيني‬، وجمع بطشُه شتاتَه، ونبهت الشعبَ تهديداتُه، وأيقظته تصريحاتُ قادتِه من أحلامه، وأعادته رعونتُها إلى أصل صوابه، ووصلت دباباتُه من انقطع من أرضه، وأعادت ربط ما عزل من بلداته.
وألقى بصواريخه في قلوب ‫#‏الفلسطينيين‬ جميعًا تماسكًا وتلاحمًا، وتعاطفًا وتضامنًا، ومحبةً ورأفة، ومودةً ورحمة، وثورةً وانتفاضة، وثأرًا وانتقامًا، وأذابت نيران أسلحته الجليد الذي عزل الفلسطينيين عن بعضهم، وأبعدهم عن أهدافهم، وفرَّق بينهم، وران على قلوبهم، وجعلها صدئة قاسية على بعضها، عنيفةً فيما بينها، تكره ولا تحب، وتحسد وتحقد، وتسعى بالشر ولا تتمنى الخير، وتنقلب على بعضها، وتغدر أهلها، وتتآمر على شعبها، وتتعاون مع العدو ضد مصالح وطنها.
إقرأ المزيد Résuméaladdin

الأحد، 5 يناير 2014

سكان مخيم “اليرموك” المحاصر يأكلون القطط وحالات موت نتيجة الجوع


إقرأ المزيد Résuméaladdin

الاثنين، 7 أكتوبر 2013

هل زرت (مدينة نابلس) في مخيم البقعة؟!

ersan


هل زرت (مدينة نابلس) في مخيم البقعة؟!

عمان نت - محمد العرسان
عندما تقول" أنا ذاهب الى غزة أو الخليل أو بيت لحم" قد لا يعني بالضرورة انك ذاهب الى فلسطين، ففي مخيم البقعة الواقع شمال عمان يطلق سكان المخيم أسماء المدن الفلسطينية على الأحياء السكنية، فالشاب عماد مثلا يسكن في حي القدس الواقع جنوب المخيم، أما صديقه إبراهيم عشيش بيته في نابلس، وهنا نقصد "حي نابلس" في مخيم البقعة!.

ولهذه التسميات دلالة خاصة لدى أبناء المخيم لتمجيد مدنهم الأصلية، حسب عماد33 عاما "هذه التسميات متعارف عليها عند جميع أبناء المخيم، وتحمل دلالة ومعنى كبير إذ هي محاولة من أبناء المخيم لتمجيد مدنهم الأصلية التي طردوا منها، كما هي محاولة لربط الماضي في الحاضر وإحياء الذاكرة الفلسطينية عند أطفال المخيم من خلال تذكريهم بالمدن الفلسطينية المحتلة مثل يافا وعكا وطبريا وغيرها من المدن الأخرى".

هذا بالنسبة للأحياء، أما جدران المخيم المتآكلة في الأزقة والشوارع الضيقة، فتحولت إلى لوحات تملأها عبارات "فلسطين عربية"، "عائدون"، علها تعكس بعضاً من حنين أبناء المخيم وتعلقهم في فلسطين المحتلة حسب أبناء المخيم، يقول أبو محمد " هذه العبارات تعكس الكبت الداخلي لأبناء المخيم من حب وشوق لفلسطين، إذا لا يستطيعون التعبير فيقومون بكتابة هذه العبارات التي تعبر عن تعلقهم بوطنهم، فلا ينسى أبناء المخيم ان لهم ارض في فلسطين، فأمل العودة لا يزال قائما في نفوس الصغار والكبار على حد سواء".

ولا يقتصر الأمر على عبارات الجدران، فالمحلات التجارية أيضا اتخذت من أسماء المدن الفلسطينية والعبارات الوطنية عناوينا لها، كمحل القدس للنجارة، وفلسطين للاتصالات الخلوية والعودة للأدوات المنزلية، والشهيد ، والعائدون للحج والعمرة. ويقول أبو محمد صاحب بقالة بيسان " لقد أطلقت هذا الاسم على بقالتي نسبة إلى بيسان مدينتي الأصلية ، وهذا الأمر ينطبق على معظم محلات المخيم التي تسمي محلاتها بناءا على مدنهم الأصلية في فلسطين كـ غزة ويافا وغيرها من المدن، وهذه التسميات تأتي من باب الحب لهذه المدن المحتلة".

و يعتبر الفلسطينيون حق العودة مقدسا لا يمكن التفاوض عليه لذلك جعلوا يوم الثاني عشر من تشرين الثاني يوما للتذكير بحق العودة وإعلام العالم بعدالة القضية الفلسطينية.

و يقيم في الأردن وحسب إحصائيات وكالة الغوث الدولية 1,639,718 لاجئ فلسطيني حتى تاريخ 31 كانون الأول 2001 وهي آخر لائحة إحصائية رسمية صادرة حتى لحظة إعداد هذا التقرير منهم 287,951 لاجئ يقيمون داخل عشر مخيمات تعترف بها المنظمة الدولية.

وهناك قسمين من فلسطيني الشتات فمنهم ما يطلق عليهم اسم لاجئون عام 1948 وأبناؤهم بفئتين: المسجلون لدى وكالة الغوث الدولية لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا), وهناك النازحون الذين نزحوا نتيجة حرب 1967.


مخيم البقعة - منطقة نابلس
مخيم البقعة - منطقة نابلس



إقرأ المزيد Résuméaladdin

السبت، 14 سبتمبر 2013

معجم أسماء المدن والقرى الفلسطينية


تهويد الأسماء يقوم على محاكاة جذرها الكنعاني-الآرامي لتلفيق إرث عبري مزعوم في فلسطين
ثمة عناوين لم تقتنص اهتمامك من قبلُ، عند صدورها، ولا حتى بعدها بكثير، لكن الحدث السياسي يدفع موضوعها إلى الصدارة، إلى قلب دائرة الاهتمام، فتصير كأنها صدرت البارحة، أو الآن، لا قبل أعوامٍ أو أكثر.

ولعل الكتابات التي تتناول تهويد الأسماء العربية في فلسطين هي من ذلك النوع الذي اكتسى أهميةً متزايدة، بالأخص عقب قرار وزير المواصلات الصهيوني "إسرائيل كاتس" في صيف عام 2009 بتهويد أسماء المدن والقرى في فلسطين، بعد أن كان الاهتمام بجذر الأسماء العربية في فلسطين يبدو اهتماماً كمالياً مقتصراً على حفنة من المختصين وهواة اللغويات تقريباً.

كتاب "معجم أسماء المدن والقرى الفلسطينية، وتفسير معانيها ومدلولاتها السياسية والحضارية"، من تأليف محمد حسن شراب، وإصدار دار "الأهلية" في عمان عام 2000، وضِع عام 1999، أي قبل عشر سنوات من القرار الرسمي بتهويد الأسماء العربية في فلسطين. وهو ليس الكتاب الوحيد من نوعه.

فمشروع تهويد الأسماء العربية في فلسطين لم يبدأ عام 2009، بل قبل ذلك بعقود. ولا بد أن نبدأ هنا بذكر أم الموسوعات عن فلسطين، وهي موسوعة بلادنا فلسطين، لمصطفى مراد الدباغ، المتوفرة على الإنترنت، والمليئة بالمعلومات عن المدن والبلدات الفلسطينية.

لكن الموسوعات والمجلدات الضخمة تثير رعب عامة القراء، وليس التنقيب فيها أمراً مستحباً عند الأغلبية، ولذلك فإن كتباً صغيرة القطع لا تتجاوز صفحاتها ال240، مثل "معجم أسماء المدن والقرى الفلسطينية"، كثيراً ما تلفت أنظار المهتمين المبتدئين أكثر من المجلدات المهيبة.

مقدمة "معجم أسماء المدن والقرى الفلسطينية"، التي تزيد عن خمسين صفحة بقليل، تحتوي ربطاً وتلخيصاً شديد الأهمية للتواتر الحضاري لمنطقة بلاد الشام، ما بين العروبة القديمة والعروبة الحديثة التي تضافرت مع الإسلام.
فالكنعانية، ثم الآرامية، التي تمثل السريانية (لهجة يهود خيبر) إحدى مراحلها، ثم العربية القرشية، لهجة القرآن، كلها مشتقة من أرومة واحدة، وتشكل تسلسلاً طبيعياً.

ويدلل الكاتب على ذلك بأن العربية القرشية تفشت بسرعة على ألسنة أهل بلاد الشام بعد الفتح الإسلامي، "مع أن العرب الوافدين مع الفتح كانوا قلة قليلة بالقياس إلى عدد سكان بلاد الشام" (صفحة 14)، ونضيف أن العربية القرشية لم تطغَ على لسان الأقوام ذوي الأصول غير العربية بعد الفتح الإسلامي، كفارس أو تركيا أو غيرهما!.

ويوضح الكاتب أن أسماء تسعين بالمئة من المدن والقرى الفلسطينية والسورية واللبنانية والأردنية، مشتقٌ من جذرٍ كنعاني أو آرامي، وأن اليهود افتعلوا لهم لهجة هي آرامية أساساً مطعمة بشيءٍ من الكنعانية، أسموها لغةً عبرية، هي في الواقع لهجة مفبركة ولا يوجد لها أي دليل أو أثر تاريخي، بل تؤكد التوراة في سفر أشعيا 19/18 أن اليهود كانوا يتحدثون "شفة كنعان" (صفحة 27).

وبسبب التقارب بين "العبرية" المفبركة واللهجات الكنعانية والآرامية، فإن تهويد الأسماء بات يبدو وكأنه عودة بها إلى جذورها اليهودية الأصلية، مما قد يعطي انطباعاً مزيفاً بأن اليهود هم سكان فلسطين الأصليون! وهذا غير صحيح طبعاً، لأن العبرية لهجة مفتعلة أصلاً، والجذر الكنعاني والآرامي هو الأساس، مع الإشارة إلى أن المسلمين لم يغيروا الأسماء الكنعانية والآرامية إلا نادراً، ولو جرى تحويرها أحياناً لتوافق اللسان العربي العدناني (الصفحة 33)، ومع أنهم أطلقوا أسماء عربية عدنانية على المدن والبلدات الجديدة.

اللهجات العربية القديمة طبعاً هي أقدم لغة مدونة منذ بدء التاريخ، كما تدل مكتشفات "أوغاريت" رأس شمرا، والآثار المكتشفة في جزيرة كريت من ألفي عام قبل الميلاد، وغيرها.

كما أن التوراة نفسها مترجمة عن اللهجة الآرامية كما هو معروف... حتى أن لغة مخطوطات قمران هي الآرامية أساساً كما يشير أكثر من مرجع... لكن لا بد من التذكير بأن من ينكر الترابط العضوي، والتسلسل التاريخي، ما بين الكنعانية والآرامية والعربية القرآنية لا ينفي عروبة المنطقة ويحول الفتح لاحتلال فحسب، بل يؤكد المزاعم الواهية لليهود ما بين الفرات والنيل، أي أن هذه ليست مجرد قضية تاريخية أو أكاديمية، بل قضية سياسية راهنة.

ويقدم الكاتب هنا جداول وبيانات تظهر أن الوجود اليهودي الحديث في فلسطين طارئ جداً، وأن اليهود ازدادوا من خلال الهجرة إلى فلسطين في ظل العثمانيين من ثمانية آلاف في النصف الأول من القرن التاسع عشر، إلى 24 ألفاً عام 1882، إلى خمسين ألفاً عام 1900، إلى 85 ألفاً عام 1914.

وها هي أسماء الأماكن في فلسطين، وبلاد الشام، وبقية أرجاء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، تشهد على عروبتها القديمة. وفي فلسطين بالتحديد، بما أن هذا موضوعنا هنا، تشهد كثيرٌ من أسماء المدن والقرى على كنعانيتها القديمة
مثلاً: رامة تعني المرتفعة، ومنها الرام، شمال القدس، ورام الله.
غزة بمعنى قوي، أو كنوز ومخازن.
يافا من الكلمة الكنعانية يافي، بمعنى جميل.
عكا من الكلمة الكنعانية عكو، بمعنى رمل حار.
عتليت في قضاء حيفا، بمعنى في حماية الليث (الأسد).
بيت لحم التي تعني بيت الخبز، وهي غير بيت لحم الحالية التي كان اسمها أفراته.

ويفيد "معجم أسماء المدن والقرى الفلسطينية" أن "أسماء الأمكنة والبقاع أكثر ما تكون وصفاً جغرافياً أو تسمية دينية، أو نسبة إلى أشخاص أو حوادث معينة أو نسبة إلى حيوان أو نبات... ومنها مثلاً "جبع"، وتعني ربوة أو أكمة، وكذلك "جبعة"... ومنها ما يدل على نوع التربة – كالجفاف أو القحط، أو الرطوبة، مثل "عقرون" إحدى المدن الفلسطينية القديمة، وهي "عاقر".

ومعنى الجذر الجفاف والجدب والنقب في جنوب فلسطين، ويجب أن تكون "النجب" بجيم مصرية... وأما التسمية الدينية، فتظهر في الأسماء المركبة خاصة، مثل "أور شاليم"، بمعنى بلد سالم. والكرمل: المركبة من الكرم بمعنى العنب وإيل، اسم إله... الخ...".

ويقف واضع "معجم أسماء المدن والقرى الفلسطينية" على نقطة شديدة الأهمية من الناحية السياسية وهي أن "دراسة اشتقاق الأسماء – أسماء الأماكن – ونسبتها إلى لغتها، ونسبة اللغة إلى أهلها، وبيان تاريخ أهل هذه اللغة، يحكم بالأقدمية لشعب من الشعوب، ويحدد من هو الغازي، ومن هو المغزو.

فقد تفقد الشعوب استقلالها السياسي وتنقرض لغتها، ويندمج الشعب المغلوب بالغالب، ولا يبقى من آثار المغلوب إلا بقايا من اللغة وفي أسماء المدن والقرى إذ أن هذه الأسماء تبقى شاهداً على تعاقب الشعوب، وشاهداً على المؤسس الأول" (الصفحة 31).

ولكن لا بد من الإشارة، بالرغم من أهمية الجهد الحميد الذي بذله الأستاذ محمد حسن شراب، أن عملية التهويد لا تقوم فقط على العودة إلى الجذور الكنعانية والآرامية لأسماء المدن والقرى الفلسطينية، للإيحاء بإرث يهودي مزعوم في المنطقة، بل إن هنالك تهويداً جديداً مفتعلٌ تماماً، وبلا جذور تاريخية ولو كنعانية أو آرامية قديمة.

وقد وثق لهذه النقطة بالتحديد د. يحي جبر، في كتابه "الأعلام الجغرافية الفلسطينية بين الطمس والتحريف"، من منشورات وزارة الإعلام الفلسطينية عام 1995. وهو كتاب نعيب على مقدمته أنها تؤكد على الرغبة ب"السلام" مع من يهودون الأسماء العربية في فلسطين، وتطرح القضية كأنها قضية "تمييز عنصري" في موضعٍ ما، بالرغم من أن تغيير أسماء المدن والقرى الفلسطينية هو في صلب الصراع التناحري مع بني يهود على تعريف الهوية الثقافية لأرض فلسطين، كما هو بديهي!.

بالرغم من ذلك، يقدم كتاب "الأعلام الجغرافية الفلسطينية بين الطمس والتحريف" معالجة جيدة لآليات تزوير الأسماء (الصفحات 6 – 9)، ومن ذلك أنها تبدأ من الترجمة الحرفية للاسم العربي إلى اسم عبري حديث، مثلاً:
جبل الزيتون تصبح: هار هزيتيم. وهناك أيضاً تحريف الاسم العربي ليلائم اسماً عبرياً، عن طريق تغيير حرف أو أكثر بأخر، سواءٌ أدى ذلك لنفس المعنى أم لا، مثلاً، خربة أم دومانة التي غدت ديمونة، وسهل عارة الذي أصبح بقعات عيرون.

وهناك أيضاً إطلاق اسم يهودي حديث على مستعمرة مقامة على مقربة من قرية عربية مدمرة أو مهجرة، للإيحاء بأن الوجود اليهودي في تلك المنطقة قديم جداً، مثلاً، كفار سابا المقامة على بعد كيلومترين من بلدة كفر سابا المدمرة. وأحياناً يتم تغيير الاسم العربي بالكامل، مثلاً، الخالصة التي أصبحت كريات شمونة.

باختصار، يمثل تهويد الأسماء امتداداً للبعد الثقافي للصراع، الصراع على هوية الأرض، لب القضية، وشتان ما بين ذلك وبين "النضال" للحصول على "حقوق مواطنة متساوية في إسرائيل"، أو للحصول على "دولة مستقلة" إلى جانب "إسرائيل"!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المركز الفلسطيني للإعلام

إقرأ المزيد Résuméaladdin

الأربعاء، 11 سبتمبر 2013

شاهد منظر الثلوج و القُدس .. عندما يجتمع التاريخ و الجمال













المصدر :  طقس العرب
إقرأ المزيد Résuméaladdin

الأحد، 18 أغسطس 2013

الشهيد :: يحيى عياش::

مخيم البقعة : الشهيد باذن الله ، البطل القائد يحيى عياش


مولد يحيى عياش ونشأته

في قرية رافات جنوب غرب مدينة نابلس في الضفة الغربية المحتلة، ولد يحيى عبد اللطيف عياش المعروف بـ يحيى عياش وذلك في السادس من شهر مارس عام 1966م.

عاش يحيى عياش طفولة هادئة، ويؤكد شبان رافات وشيوخها اليوم أن يحيى عياش كان مثالاً للطفل المؤدب الهادئ، حتى إن أحد أعمامه كان يقول: كان يحيى عياش هادئًا أكثر من اللزوم، ولا يحب الاختلاط كثيرًا بغيره من أطفال الحي، حتى إنني كنت أعده انطوائيًا بعض الشيء". وتضيف والدته: "كان يحيى عياش طفلاً هادئًا جدًّا وخجولاً، ولم يكن يبكي كالأطفال الذين في مثل سنه، وهو في الرابعة من عمره ذهب مع الرجال يوم الجمعة إلى المسجد يصلي معهم ومن يومها بدأ يرتاد المسجد، وهو في هذه السن المبكرة، حفظ يحيى الكثير من سور القرآن القصيرة والآيات القرآنية التي كان يستمع إليها من المقرئ في المسجد".

ويتابع والده الحديث: "كان يحيى عياش طفلاً صغيرًا لم يتجاوز أربعة أعوام حين توجه إلي مرارًا طالبًا مني السماح له بمصاحبتي إلى المسجد لأداء الصلاة.. كان يلح بالطلب ويشدني من ملابسي لكي آخذه معي. ونظرًا لإلحاحه، ورغبة مني في تلبية طلبه، وهو الابن البكر، فقد بدأت باصطحابه إلى المسجد القديم في القرية، وهو قريب من بيتنا. وكثيرًا ما دهش الحضور وأبدوا استغرابهم من الطفل الصغير. وكانوا يقولون لي: هذا صبي صغير، ولا يتقن الوضوء، فكيف يتقن فرائض الصلاة وسننها؟".

ويؤكد أحد المصلين في مسجد القرية الصغير ما ذكره والدا يحيى عياش فيقول: "يحيى عياش كان من الشباب الذين داوموا على صلاة المسجد، وكان يحب أن يصلي في الصف الأول. وأذكره عندما كان يجلس في الجهة الغربية للمسجد ليقرأ القرآن".

وكان يحيى عياش من المتفوقين في دراسته خاصة مادة الرياضيات ويشهد بتفوقه هذا أبوه الشيخ عبد اللطيف ومعلموه في المدرسة، فيقول الشيخ عبد اللطيف عن ذكاء يحيى: "أيام المدرسة كان معروفًا بتفوقه في دراسته وخصوصًا في مادة الرياضيات لدرجة أنه كان متقدمًا على صفه سنة، وأحيانًا سنتين في مادة الرياضيات".

ويروي الشيخ عبد اللطيف قصة أخرى تعبر عن تفوق يحيى عياش الصغير، فيقول: "كتب معلم الرياضيات بالصف الأول الثانوي في مدرسة الزاوية الإعدادية مسألة على السبورة، وقال للتلاميذ: من يستطيع أن يحل هذه المسألة؟ فلم يجبه أحد، وجلس طلاب الصف عاجزين عن حل المسألة… جن جنون المعلم من ضعف التلاميذ في هذا الصف، فذهب يشتكي إلى مدير المدرسة. وبالصدفة، كان هناك المعلم الذي يدرس الصف الأول الإعدادي الذي كان فيه يحيى، فقال: أنا مستعد أن أحضر لكما طالبًا من الصف الأول الإعدادي ليحل المسألة. وفعلاً، ذهب وأحضر يحيى ثم توجه الجميع إلى الصف الأول الثانوي. وبالفعل، قام يحيى بحل المسألة وسط دهشة المدير والمعلمين والتلاميذ".

وعلى أثر هذه الحادثة، بعث مدير مدرسة الزاوية الإعدادية في ذلك الوقت رسالة تقدير واحترام إلى والد الطالب يحيى عياش، يهنئه فيها على ذلك الشاب الذكي، صاحب الأخلاق الرفيعة. وقال المدير في نهاية رسالته: "إنني أتوقع أن يكون لهذا الفتى شأن عظيم في حياته المستقبلية".

ورافق التفوق يحيى عياش منذ الصف الأول وحتى إنهائه المرحلة الثانوية وحصوله على شهادة (التوجيهي)، فقد نال المرتبة الأولى دائمًا خلال دراسته لاثنتي عشرة سنة في رافات والزاوية وبديا. وكان يحيى قد انتقل إلى مدرسة الزاوية الإعدادية بعد إنهائه الصف السادس الابتدائي في مدرسة رافات، نظرًا لكون مدرسة قريته لا تستوعب أكثر من هذه المرحلة. ودرس يحيى المرحلة الإعدادية والأول ثانوي في مدرسة الزاوية، ثم انتقل بعد ذلك إلى قرية بديا حيث درس الثاني والثالث ثانوي (الفرع العلمي) في مدرسة بديا الثانوية، وحصل على شهادة الدراسة الثانوية بمعدل (92.8%)[1].

ونشط المهندس يحيى عياش في صفوف كتائب الشهيد عز الدين القسام منذ مطلع العام 1992م، وتركز نشاطه في مجال تركيب العبوات الناسفة من مواد أولية متوفرة في الأراضي الفلسطينية، وطور لاحقًا أسلوب الهجمات الاستشهادية عقب مذبحة المسجد الإبراهيمي في فبراير 1994م، اعتبر مسئولاً عن سلسلة الهجمات الاستشهادية؛ مما جعله هدفًا مركزيًّا للعدو الصهيوني[2].
أخلاق يحيى عياش

تتحدث أم البطل يحيى عياش عن تصرفات يحيى في البيت وعلاقته بوالديه وشقيقاه، فتقول: "إن الله قد حرمني من إنجاب البنات، وكان -الله يرضى عليه- لا يفارقني عندما أصاب بمرض، ويتمتم فوق رأسي داعيًا الله أن يمن علي بالشفاء. وكان يطبخ الطبيخ، ويذبح الدجاج، ويحضر الطعام، وينظف البيت.. قلبي وربي راضيان عنك يا يحيى.. الله والسماء تحرسك يا يحيى". وتتنهد الأم وتنهمر الدموع من عينيها، ثم تضيف: "كان هادئًا ومؤدبًا، ولم يحاول مرة أن يغضبني أو يغضب والده. ولم يكن يضرب أخوته أو يزعلهم". ولأن يحيى كان دائمًا يداعبها قائلاً: "أنا لا أحب إلا طعامك، وليس هناك امرأة في العالم تطبخ طعامًا لذيذًا مثلك"، فإنه نادرًا ما تناول طعامًا من عند أحد - ولا حتى أقاربه - وَفق ما أشارت والدته.

أما الأستاذ إبراهيم، الذي شارك الشهيد بإذن الله الغرفة في قرية أبو قش القريبة من الجامعة عند بداية العام الدراسي الأول (1984/ 1985م)، فيقول عن طبيعة يحيى وأخلاقه وعلاقاته:

"كنت أسكن مع أخي في قرية أبو قش قرب الحرم الجديد لجامعة بيرزيت. وعندما تخرج أخي، تقدم الشهيد يحيى عياش عارضًا عليَّ أن يسكن معي في البيت حيث كنت وحيدًا، وكنت أدفع 25 دينارًا كأجرة للبيت وهو مبلغ بسيط في حينه. لذلك، لم أرغب في استقدام طالبًا آخر ليشاركني السكن في نفس الغرفة حتى تقدم يحيى عياش، عندها غيّرت موقفي، ووافقت على طلب ذلك الشاب السمح ذي الأدب الرفيع والذي عرفته من خلال نشاطات الكتلة الإسلامية داخل الحرم الجامعي. فقد كان متميزًا بحسن سلوكه وتسامحه وتواضعه إلى جانب حيائه الشديد".

ويضيف زميل الشهيد: "كان يحيى عياش لطيف المعشر، حسن السلوك، لين الجانب إلا في الحق، متسامحًا، صادق الكلام أبدًا، ومحقًا في المعاملات المالية، وفي الحقيقة، إن أكثر ما يميز سيرة الشهيد، أنه كان مسلمًا غيورًا على إسلامه بالفطرة الربانية، حتى أنه كثيرًا ما كان ينتهز أي عطلة أسبوعية أو إضراب داخل الجامعة ليعود إلى قريته، ليكون بعيدًا عن جو الفساد. وكثيرًا ما كان يبدي لي اشمئزازه من التبرج السافر والانحلال الخلقي لبعض طلاب وطالبات الجامعة. وكنت أحس من خلال مناقشاتنا الليلية قبل النوم أن هذا الشخص لا يمكن أن تنفع معه كل إغراءات الدنيا. فتمسكه بالدين كان بالفطرة الربانية الشديدة الصفاء، القوية الثبات. وقد أيقنت مع مرور الأيام معه في السكن أن هذا الشخص يعيش ويحيى لدينه فقط.. إن قناعتي هذه مبنية على استنتاجات أكيدة من خلال نقاشاتنا المتبادلة يوميًا حول كل الأمور الأكاديمية والسياسية المحلية والخارجية".

ويلخص الأستاذ إبراهيم تحليله لشخصية يحيى عياش، بالقول: "عرفت يحيى بالابتسامة التي لا تفارقه وصمته الطويل وطبعه الهادئ. وعلى الرغم أنه كان رقيق الصوت، ولا يتحدث في الجلسات العامة إلا أنه لم يكن ليبقي ساكتًا عندما يكون الأمر يخص الإسلام والمسلمين. فتراه يهب بفطرته السليمة وحبه للدين منافحًا عن الحق. ولهذا لم يكره أحد عدا أعداء الفطرة الإسلامية، ولم يكن له أعداء من الطلاب أو أصحاب السكن أو الأهالي عمومًا".

أما فيما يتعلق بالطالب يحيى عياش داخل أسوار الجامعة، فإن زميل الشهيد يعرج على هذه النقطة باختصار معبرًا عن واقع تلك الفترة؛ إذ إن يحيى كان دائمًا يغض الطرف داخل أسوار الجامعة، وبقي بعيدًا عن أجواء الصخب والعبث. وكثيرًا ما شاهدته منشغلاً بتلاوة القرآن، وطاعة الرحمن بالذكر والمأثورات.
فكر يحيى عياش العسكري

يتلخص فكر المجاهد القائد يحيى عياش في ثلاثة أمور:
1- قاعدة عقائدية وإيمانية

البيئة العقائدية والإيمان الراسخ في أعماق النفس البشرية هي التي تبدع وتفرز ظاهرة الرجال المستعدين للموت في سبيل الله مثل القائد يحيى عياش. ومن خلال تجذر هذه الأصول وصلابة حاملها، تتفجر مدخرات الطاقة في خلايا الجسم، ويتألق كل ما أودعه الخالق I في هذه النفس من خلق وتجرد وإخلاص وصدق وتوكل وغيرها من خصائص الشهادة ومعاني البقاء والاقتداء.

ولئن غادرنا المهندس بعد نجاحه في الوصول إلى قمة هرم الصاعدين في زمن الهبوط وانتصاره في مسيرته الحياتية نحو الخلود، فإننا ما زلنا نمتلك التمسك بمبادئه وثوابته وتجربته التاريخية الزاخرة بمدلولات تبشر بدروس من السهل الاقتداء بها وتقليد العملاق الخالد على أرض فلسطين وتكرار مسيرته والتبشير بقدرات الأمة على إنجاب العظماء وصنع المستقبل المشرق. ونستطيع في تفصيل أن نورد إضاءات من القاعدة العقائدية والإيمانية التي حملت أعمدة العملاق الخالد:
2- الكتمان والسرية في حياة يحيى عياش

استهداءً بأمر رسول الله : "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان"، تعمل كتائب الشهيد عز الدين القسام بطريقة سرية منظمة، جعلت من مخططات أجهزة الأمن والاستخبارات الصهيونية لاختراق بنية الجهاز العسكري لحركة حماس ومحاولات رصد عملياته قبل وقوعها أمرًا في غاية الصعوبة.

وليس سرًّا أن كتائب الشهيد عز الدين القسام تفتخر بطريقة عملها ومنهجها في تكوين الخلايا وتنظيم عملها، فالجهاد مرصود وإجهاضه استراتيجية صهيونية وعالمية، خاصة بعد أن أصبح الإسلام هو العدو الأول لمعسكر النظام العالمي الجديد وأدواته. وفي حالة الشهيد القائد، تتجاوز طبيعة (الكتمان والسرية) الحدث الطارئ أو الحاجة الآنية، لتصبح خلقًا راسخًا وعادة متمكنة، إذ يقول أصدقاء المهندس ورفقاء دربه بأن حساسية يحيى تجاه السرية لا مثيل لها. ويضيف أحد الذين عملوا في الخلايا التابعة لقيادته: "مضت عدة شهور قبل أن اكتشف أن المرأة التي كانت تجلس في أحد الحقول في منطقتنا هي في الحقيقة المهندس يحيى عياش".
3- يحيى عياش والتخلص من أعين الأعداء

لم يتأثر أحد بحساسية مفرطة تجاه القائد الشهيد يحيى عياش بقدر ما تأثر رئيس الوزراء الإسرائيلي، إسحاق رابين الذي كان يضطلع بالمسئولية المباشرة عن أنشطة الموساد والشاباك بحكم توليه منصب وزير الدفاع أيضًا. فقد شكلت أسطورة المهندس شبحًا متعبًا وثقلاً كبيرًا جثم على صدر إسحاق رابين الذي خصص جيشًا برمته لإطلاق النار على يحيى عياش دون إنذار بمجرد وقوع أنظارهم عليه، لما كان يسببه من الهلع والفزع في أوساط قادة الصهاينة وجمهورهم.

ولكن براعة المهندس الفائقة في مواجهة مطارديه وعبقريته في التخفي والمراوغة والإفلات من الكمائن التي كانت تنصب له من قبل عدة آلاف من جنود الوحدات المختارة من الجيش الإسرائيلي وقوات حرس الحدود والشرطة بالإضافة إلى عدة مئات من أفراد جهاز المخابرات العامة (الشاباك) ووحدات استخبارية عسكرية خاصة كلفت بالمشاركة في أوسع وأكبر حملة مطاردة تنظمها الدولة العبرية في تاريخها، جعلت ملاحقيه يطلقون عليه لقب (العبقري) و(كارلوس الثعلب) و(الرجل ذو ألف وجه)، وينسبون إليه صفات الرجل المقدس، والإنسان الذي يمتلك سبعة أرواح، ومن يرى ولا يُرى، وهي أمور حاولت أجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية إخفاء عجزها وراءها.

فقد بحثت سلطات الاحتلال عن المهندس طوال أربع سنوات، وخلال تلك المدة، استمر القائد في عملياته بدون توقف أو هدوء؛ فجند الخلية تلو الأخرى، وبعث فيها روح المبادرة والنشاط بعد كل ضربة كان الصهاينة يوجهونها للمجموعات الجهادية. وبعد كل عملية، تعترف سلطات الاحتلال بأن - حتى أخباره - تختفي اختفاءً متقنًا؛ مما أصاب قيادة الشاباك في حيرة إزاء لغز المهندس[3].
أهم المعارك التي خاضها يحيى عياش

مع انطلاقِ شرارة الانتفاضة أرسل أبو البراء رسالةً إلى كتائب الشهيد عز الدين القسام يُوضِّح لهم فيها خطةً لمجاهدة اليهود عبر العمليات الاستشهادية، وأصبحت مُهمَّة يحيى عياش إعداد السيارات المفخَّخة والعبوات شديدة الانفجار[4].

وكانت بدايات المهندس مع العمل العسكري ترجع إلى أيام الانتفاضة الأولى، وعلى وجه التحديد عامي 1990، 1991م. فقد استقر لدى يحيى رأي ما لبث أن ترسخ لديه كقناعة وهدف، حيث بدأ يسعى لتحويل الحجر إلى قنبلة تنفجر في صدور المحتلين وتقض مضاجعهم. وبإلهام من الله I وعون منه، توصل صاحب الحق إلى مخرج لمشكلة شح الإمكانات المتوفرة وندرة المواد المتفجرة، وذلك بتصنيع هذه المواد من المواد الكيماوية الأولية التي تتوفر بكثرة في الصيدليات ومحلات بيع الأدوية والمستحضرات الطبية. فكانت العملية الأولى بتجهيز السيارة المفخخة في "رامات إفعال" بتل أبيب، وبدأت أثر ذلك المطاردة المتبادلة بين يحيى عياش ودولة الاحتلال وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

قدر الله I أن يكتشف العدو السيارة المفخخة في رامات إفعال بطريق الصدفة، ويومها عرف خبراء المتفجرات الصهاينة أن عبقرية فذة في عمليات التفجير ستكون في مواجهتهم. وبعد تحقيق شديد وقاس مع المجاهدين اللذين اعتقلا أثر العثور على السيارة المفخخة، طبعت الشاباك اسم يحيى عبد اللطيف عياش في قائمة المطلوبين لديها للمرة الأولى. ولأن المجاهدين المعتقلين، لم يكونا على اطلاع بدور المهندس في تجهيز العملية والتخطيط لها، فإن ضباط الشاباك وضعوا اسم يحيى في المرتبة الخامسة من حيث الخطورة؛ ولذلك داهمت قوات كبيرة من الجيش وحرس الحدود يرافقها ضباط ومحققون من الشاباك سلفيت وقراوة بني حسان؛ بحثًا عن زاهر جبارين وعلي عاصي اعتقادًا بأن أحدهما قد نجح في التوصل إلى المعادلات الكيميائية المفزعة لهم[5].
أهم العمليات التي تنسب لـ يحيى عياش

عبقرية القائد "يحيى عياش" نقلت المعركة إلى قلب المناطق الآمنة التي يدّعي الإسرائيليون أن أجهزتهم الأمنية تسيطر فيها على الوضع تمامًا؛ فبعد العمليات المتعددة التي نُفذت ضد مراكز الاحتلال والدوريات العسكرية نفذ مقاتلو حماس بتخطيط من قائدهم عياش عددًا من العمليات أهمها:

- 6 إبريل 1994م: الشهيد "رائد زكارنة" يفجر سيارة مفخخة قرب حافلة صهيونية في مدينة العفولة؛ مما أدى إلى مقتل ثمانية صهاينة، وجرح ما لا يقل عن ثلاثين. وقالت حماس: إن الهجوم هو ردها الأول على مذبحة المصلين في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل.

- 13 إبريل 1994م: مقاتل آخر من حركة "حماس" هو الشهيد عمار عمارنة يفجر شحنة ناسفة ثبتها على جسمه داخل حافلة صهيونية في مدينة الخضيرة داخل الخط الأخضر؛ مما أدى إلى مقتل 5 صهاينة وجرح العشرات.

- 19 أكتوبر 1994م: الشهيد صالح نزال -وهو مقاتل في كتائب الشهيد عز الدين القسام- يفجر نفسه داخل حافلة ركاب صهيونية في شارع "ديزنجوف" في مدينة تل أبيب؛ مما أدى إلى مقتل 22 صهيونيًّا، وجرح ما لا يقل عن 40 آخرين.

- 25 ديسمبر 1994م: الشهيد أسامة راضي -وهو شرطي فلسطيني وعضو سري في مجموعات القسام- يفجر نفسه قرب حافلة تقل جنودًا في سلاح الجو الصهيوني في القدس، ويجرح 13 جنديًّا.

- 22 يناير 1995م: مقاتلان فلسطينيان يفجران نفسيهما في محطة للعسكريين الصهاينة في منطقة بيت ليد قرب نتانيا؛ مما أدى إلى مقتل 23 جنديًا صهيونيًّا، وجرح أربعين آخرين في هجوم وُصف أنه الأقوى من نوعه، وقالت المصادر العسكرية الصهيونية: إن التحقيقات تشير إلى وجود بصمات المهندس في تركيب العبوات الناسفة.

- 9 إبريل 1995م: حركتا حماس والجهاد الإسلامي تنفذان هجومين استشهاديين ضد مواطنين يهود في قطاع غزة؛ مما أدى إلى مقتل 7 مستوطنين ردًّا على جريمة الاستخبارات الصهيونية في تفجير منزل في حي الشيخ رضوان في غزة، أدى إلى استشهاد نحو خمسة فلسطينيين، وبينهم الشهيد "كمال كحيل" أحد قادة مجموعات القسام ومساعد له.

- 24 يوليو 1995م: مقاتل استشهادي من مجموعات تلاميذ المهندس "يحيى عياش" التابعة لكتائب الشهيد "عز الدين القسام" يفجر شحنة ناسفة ثبتها على جسمه داخل حافلة ركاب صهيونية في "رامات غان" بالقرب من تل أبيب؛ مما أدى إلى مصرع 6 صهاينة وجرح 33 آخرين.

- 21 أغسطس 1995م: هجوم استشهادي آخر استهدف حافلة صهيونية للركاب في حي رامات أشكول في مدينة القدس المحتلة؛ مما أسفر عن مقتل 5 صهاينة، وإصابة أكثر من 100 آخرين بجروح. وقد أعلن تلاميذ المهندس يحيى عياش مسئوليتهم عن الهجوم.

مجموع ما قُتل بيد "المهندس" وتلاميذه ستة وسبعون إسرائيليًّا، وجرح ما يزيد على أربعمائة آخرين[6].
قرية قراوة بني حسان

اتخذ المهندس وأركان عملياته ومساعديه من قرية قراوة بني حسان والمنطقة المحيطة بها مأوى وقاعدة لتخطيط العمليات وتوجيه المجموعات الفدائية المقاتلة، ورفع القائد أبو جهاد من حالة التأهب في صفوف المجموعات العاملة بإمرته وزاد من إجراءات الأمن في المنطقة لحماية غرفة العمليات المركزية لكتائب عز الدين القسام وصديقه الحميم، يحيى عياش. ومعًا عمل القائدان على تنظيم عناصر جديدة وتدريبها وتوزيعها على المجموعات، وباشرا بالتخطيط لتنفيذ العمليات النوعية الثلاث المتبقية من برنامج المراحل الخمس.

ولكن هذا الانشغال بتأمين الحماية وتعزيز المجموعات لم يحل دون استمرار برنامج التصعيد الجهادي بكافة الوسائل القتالية المتاحة ومشاغلة قوات الاحتلال وإرباك خططها. ويمكن القول بأن هذه الاستمرارية قد ساهمت، بشكل كبير وفعال، في تدريب العناصر الجديدة ميدانيًا وبالذخيرة الحية. فعلى سبيل المثال، أرسل القائدان القساميان المجاهد حسن مصطفى حسن الزاغة (18 عامًا) وهو من سكان حي رفيديا بمدينة نابلس لمهاجمة جندي الحراسة الذي يتولى أمن مركز شرطة نابلس، ليئور مزراحي، وهو من لواء جولاني بعد أن تولت مجموعة الاستطلاع رصد الهدف وتحديد طريقة الانسحاب.

وقد تم الهجوم باستخدام المسدس في صبيحة يوم السبت الموافق 23 إبريل 1994م وأسفر الهجوم عن إصابة الجندي بجروح خطيرة. ونجح المجاهد بالانسحاب، رغم إصابته بجروح في ساقه اثر إطلاق جنود إسرائيليين آخرين تصادف مرورهم بالقرب من المكان.

وفي تقدم تقني عبر عن مهارة المهندس وإبداعاته، جهز أبو البراء عبوة ناسفة تنفجر بالتحكم عن بعد بواسطة الهاتف اللاسلكي حيث قامت إحدى المجموعات الجديدة بزرع تلك العبوة على الطريق العام القريب من المقبرة الغربية بمدينة نابلس. وعند مرور سيارة عسكرية في حوالي الساعة الواحدة والنصف من صباح يوم الخميس الموافق 30 يونيو 1994م فجر المهندس عبوته الناسفة لتتطاير السيارة في الهواء ثم ترتطم بالأرض محترقة. وقد اعترفت السلطات العسكرية بالعملية، ولكنها زعمت بأن التفجير قد أسفر عن جرح جنديين فقط. كما وضع المهندس عبوتين ناسفتين موقوتتين داخل محطة وقود خاصة بمستوطنة (جينوت شومرون) أعدتا للانفجار في صباح يوم الجمعة الموافق 1 يوليو 1994م إلا أن العدو عثر على العبوتين وقام خبراء المتفجرات بتفكيكهما. وعلى الرغم من عدم وقوع إصابات أو أضرار، إلا أن المستوطنين أصيبوا بحالة من الهلع والخوف واعتبروا أن وضع العبوتين يشكل تصعيدًا في العمليات التي تستهدفهم.

الوحدات العسكرية المحمولة والراجلة التي دفعتها قيادة جيش الاحتلال إلى المنطقة فشلت في تعقب أثار المهندس وأخيه أبو جهاد اللذين انسحبا بسلام مع مجموعاتهما باتجاه القاعدة الآمنة في منطقة قراوة بني حسان. ولم يكن القائدان القساميان يضعا رحالهما، حتى جوبها بإلحاح شديد من قبل المجاهد منصور عاطف ريان[7] بأن يشركاه في العملية التالية، وهي مهاجمة مستوطنة (تنعيم) التي تقع شمال طريق (حوكسية شومرون) القريبة من قرية قراوة بني حسان. وأمام هذا الإلحاح، استجاب القائدان لطلبه وأكرماه بالدور الأكبر في العملية.

ففي ساعة مبكرة من صباح يوم الجمعة الموافق 1/7/،1994 اقتحمت المجموعة الفدائية مستوطنة (تنعيم) وتوزع أعضاءها على شكل قتالي حول منزل الضابط في الاحتياط، يورام سكاوري (30 عامًا). وخلال ثواني معدودة، قفز المجاهد منصور إلى المنزل عبر النافذة، ودون أن يحدث صوتًا أو جلبة، طعن الضابط عدة طعنات في البطن والعنق والظهر ثم غادر المنزل تاركًا الضابط جثة هامدة بينما زوجته تتخبط بدمائها من جروح أصابتها اثر محاولتها الدفاع عن زوجها.

وبناء على الخطة التي وضعها القائدان القساميان، سارت المجموعة الفدائية بعد مغادرتها للمستوطنة على الطريق الترابي المؤدي إلى قرية قراوة بني حسان دون أن تزيل الآثار وذلك للتمويه على قوات الاحتلال وقصاصي الأثر؛ إذ إن المجموعة لم تستقر بالقرية، بل غادرتها على الفور عن طريق آخر حيث تولى أحد المجاهدين إزالة آثار الأقدام الجديدة. وقد انطلت الحيلة على السلطات العسكرية الإسرائيلية، خاصة أنها اكتشفت العبوة الناسفة التي جهزها المهندس وتركتها المجموعة الفدائية عند مدخل المستوطنة، وهذا ما أغرى ضباط الشاباك الذين تحمسوا لتتبع الآثار اعتقادًا منهم بأن ذلك سيقودهم للمطلوب الأول على قائمتهم وصديقه.

ومما يدل على الأهمية التي كانت توليها سلطات الاحتلال لعملية اقتحام قرية قراوة بني حسان، مشاركة الميجر جنرال إيلان بيران (قائد المنطقة العسكرية الوسطى) والجنرال شاءول موفاز (قائد قوات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية) على رأس القوة المهاجمة والتي قدرت بنحو (1000) جندي من الجيش والوحدات الخاصة وقوات حرس الحدود ترافقهم (100) سيارة عسكرية إضافة إلى طائرتين مروحيتين لسلاح الجو وعدة مجموعات سرية من قوات المستعربين تنكرت بزي نساء عربيات. في البداية حاصرت القوة الإسرائيلية القرية من جميع الجهات، وحمل ضباط من الشباك مكبرات الصوت ليعلنوا فرض حظر التجول والطلب من السكان التزام منازلهم وعدم الخروج.

وبعد ذلك، أخذت الوحدات الإسرائيلية تطبق على القرية وتمشطها بيتًا إثر بيت إلى أن وصلت إلى خمس منازل متجاورة تعود لعائلة عاصي، ومن بينها منزل القائد أبو جهاد وشقيقه. ومع حلول الساعة الحادية عشر مساءً، أصدر الجنرال بيران أوامره بإطلاق الصواريخ على منزل أبو جهاد رغم أنه لم تطلق من داخله أي رصاصة. وبعد أن اطمأن قادة الجيش الصهيوني، اقتحم الجنود المنازل الخمس وقاموا بتحطيم أثاثها والعبث بمحتوياتها إمعانًا بالتخريب تغطية على فشلهم في النيل من المجاهدين.

وعلى الرغم من نجاح الخديعة، إلا أن المقام في منطقة قراوة بني حسان لم يطل، فقد اعتقل المجاهد منصور ريان يوم الأربعاء الموافق 6يونيو (تموز) 1994م إثر كمين نصبته الوحدات الخاصة الإسرائيلية للمجاهد أثناء زيارته لمنزل العائلة في قراوة بني حسان. وعليه، غادر القائدان القساميان المنطقة نحو مدينة نابلس حيث كان المجاهد علي حجة وهو أحد القائمين على خدمة الكتائب القسامية قد استأجر شقة في منطقة المخفية لسكن القائدين قبل عشرة أيام.

وبعد استقرار المجموعات العسكرية في مدينة نابلس، تدارس القائدان الوضع العام لغرفة العمليات المركزية والظروف التي تمر بها منطقة شمال الضفة الغربية، ووجدا أنه من الأنسب في تلك الظروف أن يتم نقل غرفة العمليات المركزية إلى منطقة جنوب الضفة الغربية، وبالتحديد إلى مدينة الخليل. ولكن عملية الانتقال لم تتم، فقد تسارعت الأحداث ابتداء من اعتقال المجاهد علي حجة ومغادرة المهندس وأبو جهاد إلى حارة الياسمينة إثر ذلك، وانتهاء بالمعركة العنيفة التي دارت بين الأبطال علي عاصي ويحيى عياش وبشار العامودي وقوات كبيرة من جيش الاحتلال حاصرتهم في المنزل الذي كانوا يتحصنون فيه.

كان بشار يعلم أن المنزل الذي انتقل إليه مع أخويه أبو البراء وأبو مجاهد غير آمن، ولكن المجاهدين الثلاثة اعتبروا انتقالهم إليه مؤقتًا ريثما تزول حالة الارتباك التي سادت في جهاز الأمن ومجموعات الدعم اللوجستي إثر اعتقال المجاهد علي حجة. ولأن قدر الله نافذ، والجنة بإبلاغ ثمنًا، فقد شاهد أحد المجرمين المرتبطين بجهاز الشاباك المطاردين الثلاثة يدخلون إلى منزل مهجور يعود إلى عائلة جاد الله في حارة الياسمينة بالبلدة القديمة من مدينة نابلس.

وما أن وصلت معلومات العميل إلى الضابط المسئول عنه، ومن ثم إلى الجنرال يعقوب بيرى (رئيس الشاباك) والذي كان يولي حملات البحث والمطاردة لقتل المهندس اهتمامًا شخصيًا ومباشرًا حتى بدأت الحرارة بالارتفاع وانشغلت أجهزة الهاتف داخل مقر الشاباك، وفي مقر رئاسة الأركان وقيادة المنطقة الوسطى بالاتصالات المتبادلة لحشد قوات منتخبة من الجيش والمظليين لهذه المهمة الخاصة. وفي نحو الساعة الثانية من فجر يوم الاثنين الموافق 11يوليو 1994م فرضت سلطات الاحتلال نظام منع التجول على مدينة نابلس وقطعت خطوط الهاتف إيذانًا بانتشار نحو ألف جندي من قوات المظليين والوحدة السرية الخاصة (دفدفان) بالتعاون مع أفراد من جهاز الشاباك؛ ولأن الهدف من العملية كان واضحًا ومحددًا، فقد أخذت الوحدات العسكرية الإسرائيلية تضيق الحصار حول حي الياسمينة من كافة الاتجاهات، وإن كانت طبيعة المنطقة التي يقع فيها الحي فد شكلت عائقًا أمام القوات المهاجمة؛ إذ إن البيوت المتلاصقة في البلدة القديمة من مدينة نابلس قد عطلت أحكام الحصار على المنزل الذي كان يتواجد فيه المجاهدون الثلاثة.

في البداية، طالب قائد الوحدات الإسرائيلية عبر مكبرات الصوت المجاهدين الثلاثة بالاستسلام وتسليم أنفسهم. فرد الأبطال بوابل من نيران الأسلحة الأوتوماتيكية، واشتبكوا مع القوات المهاجمة التي حاولت اقتحام المنزل في معركة ضارية استمرت حتى الساعة الرابعة صباحًا. وطبقًا لما أفاد به شهود عيان من سكان الحي، فقد قُتل ضابط إسرائيلي على الأقل وأصيب آخرون بجروح متفاوتة. وبعد توقف تبادل إطلاق النار، أوفد قائد القوة الإسرائيلية مواطن من سكان الحي لإقناع المجاهدين بتسليم أنفسهم، إلا أن القساميين رفضوا هذا العرض واستأنفوا إطلاق النار باتجاه الجنود لفترة محدودة عاد بعدها الهدوء يخيم على المنطقة.

واستغل المجاهدون فترة الهدوء وإعادة تجميع قوات الاحتلال بالتغطية على مغادرة المهندس للمنزل. فانسحب يحيى دامع العين على فراق أخويه اللذين أصرا بشدة عليه بتنفيذ هذا الأمر لما يعرفانه من حاجة القساميين لهذه الكفاءة العلمية المبدعة. ولكن الأمر لم ينته عن هذا الحد، فقد طاردت قوات الاحتلال المهندس، وقامت بحملة تمشيط واسعة في مدينة نابلس بحثًا عنه، غير أنه -بحمد الله وتوفيقه- نجح في الوصول إلى إحدى القواعد السرية لحركة حماس بسلام.

أما في الطابق الثاني من المنزل المحاصر حيث تحصن علي وبشار، فقد استؤنف تبادل إطلاق النار واستمر دوي الرصاص وانفجارات القنابل اليدوية حتى الساعة السادسة والنصف صباحًا. وعندئذ، اجبر جنود الاحتلال أحد المواطنين على اقتحام المنزل بعد أن زودته بمهدة وشاكوش، ويبدو أن العدو أراد استغلال هذا الشاب لتحطيم الباب. وبعد فشل هذا الأسلوب الجبان أخرج قائد القوات المهاجمة

من جعبة إجراءاته الإرشادات سلاح التدمير لكسر شوكة المجاهدين. وبدون سابق إنذار قصفت قوات العدو الطابق الثاني بالصواريخ المضادة للدبابات، ثم قامت وحدات (دفدفان) الخاصة والتي رابطت على أسطح المنازل المجاورة بإمطار الطابق الثاني بوابل من الرصاص مستخدمة الأسلحة الأوتوماتيكية. وفوجئ العدو ببقاء المجاهدين على قيد الحياة بعد القصف الصاروخي، إذ استمر تبادل إطلاق النار بين الطرفين نحو ربع ساعة.

وعلى الرغم من استشهاد البطلين علي وبشار، إلا أن قوات الاحتلال تجنبت الاقتراب من المنزل، إذ طلب الجنود من ثلاثة أشخاص ممن تم احتجازهم بعيدًا عن المكان بربط أرجل الشهيدين بالحبل وسحب الجثتين إلى الخارج ووضعهما على الأرض أمام المدخل. وهناك، أطلق الجنود النار بشكل وحشي على الجثتين. كما شوهد أفراد الجيش والوحدات الخاصة يطلقون النار بالهواء ابتهاجًا ويرقصون ويتصافحون مهنئين أنفسهم على هذا الإنجاز الذي علق عليه خبير الشؤون الأمنية والاستخبارية، روني شيكد حين كتب في يديعوت أحرونوت عن المعركة يقول: "عامان كاملان حاولت أجهزة الأمن الإسرائيلية فيهما اعتقال علي عاصي وجندت خلال هذه الفترة قوات عديدة من أفراد الاستخبارات والجنود وحرس الحدود وفرق المستعربين، ولكنه أفلح في كل مرة في الإفلات من الطوق الذي فرضوه على كل مكان اختبأ فيه. ولكن عندما دنت الساعة التي كتب عليه الموت فيها، فعل ذلك بكل جرأة مع رفيق دربه وكفاحه بشار العامودي".
يحيى عياش وعملية عيد رأس السنة العبرية

تقاطعت عملية الإعداد والتخطيط والتجهيز لأسر الجندي الإسرائيلي التي أنشغل فيها الثنائي يحيى عياش ومحمد الضيف بشكل أساسي، مع المخطط الذي اعتمد لتنفيذ العملية الثالثة من برنامج المراحل الخمس للثأر لشهداء الحرم الإبراهيمي الشريف. ولكون هذه العملية قد قطعت شوطًا كبيرًا سواء بالنسبة لرصد الهدف ووضع الخطة وتفاصيل التنفيذ، فقد استقطع المهندس من جهده ووقته لوضع اللمسات النهائية لتلك العملية والتي كان من المقرر أن تكون عملية استشهادية داخل المناطق المحتلة عام 1948. واختارت غرفة العمليات المركزية في كتائب عز الدين القسام توقيت العملية بحيث تتزامن مع احتفالات العدو الصهيوني بعيد رأس السنة العبرية والذي يبدأ عادة في يوم الاثنين الموافق 5 سبتمبر 1994م.

وبناء على الخطة المعدة ركب المهندس عبوات ناسفة تزن حوالي مئة كيلو جرام من المتفجرات المصنعة في سيارة من نوع سوبارو تحمل لوحات تسجيل إسرائيلية، قام أحد المجاهدين بالاستيلاء عليها يوم الأحد الموافق 28 أغسطس 1994م من حي النبي يعقوب في القدس. وسلم المهندس السيارة المفخخة للمجاهدين أمجد أكميل وأحمد أبو الرب لنقلها إلى المنطقة الشمالية من الضفة الغربية كمرحلة أولى في عملية إدخال السيارة إلى المنطقة المحتلة منذ عام 1948م.

تمكن المجاهدان القساميان من تجاوز الانطلاقة الأمنية المشددة وحواجز التفتيش الفجائية التي أقامها العدو على المداخل ومفترقات الطرق والشوارع الرئيسية. ووصل أمجد وأحمد بالسيارة إلى منطقة نابلس مساء يوم الخميس الموافق 1 أيلول (سبتمبر)،1994 غير أنهما لم يستطيعا نقلها إلى فلسطين المحتلة عام 1948. فقد قدّر الله I لهم الفوز بالشهادة ومجاورة النبيين والصديقين والشهداء، إذ انفجرت العبوات الناسفة -لسبب غير معروف- أثناء قيادتهما للسيارة في مكان ناءٍ بمنتصف الطريق بين قريتي عقربة ومجدل بني فاضل الواقعتين جنوب شرقي مدينة نابلس[8].
من أقوال يحيى عياش

- "على الكريم أن يختار الميتة التي يجب أن يلقى الله بها؛ فنهاية الإنسان لا بُدَّ أن تأتي ما دام قدر الله قد نفذ".

- "مستحيل أن أغادر فلسطين، فقد نذرت نفسي لله ثم لهذا الدين، إما نصر أو استشهاد. إن الحرب ضد الكيان الصهيوني يجب أن تستمر إلى أن يخرج اليهود من كل أرض فلسطين".
- "بإمكان اليهود اقتلاع جسدي من فلسطين، غير أنني أريد أن أزرع في الشعب شيئًا لا يستطيعون اقتلاعه".
- "لا تنزعجوا فلست وحدي مهندس التفجيرات، فهناك عدد كبير قد أصبح كذلك، وسيقضون مضاجع اليهود وأعوانهم بعون الله".
- "بالنسبة للمبلغ الذي أرسلتموه، فهل هو أجر لما أقوم به؟ إنْ أجري إلا على الله، وأسأله أن يتقبل منا. وأهلي ليسوا بحاجة، وأسأل الله وحده أن يكفيهم وأن لا يجعلهم يحتاجون أحدًا من خلقه. ولتعلموا بأن هدفي ليس ماديًّا، ولو كان كذلك لما اخترت هذا الطريق. فلا تهتموا بي كثيرًا، واهتموا بأسر الشهداء والمعتقلين، فهم أولى مني ومن أهلي".
- "لا شك بأن العائلة تعاني، ولكن هذا ابتلاء من الله I وهو القائل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]. أسأل الله أن يكتبنا في الصابرين".
- "إنهم -أي السلطة- يحاولون بكل جدية اعتقالي أو قتلي فهم بالنسبة لي لا يختلفون عن اليهود سوى أننا لا نحاربهم؛ لأننا نعتبرهم من بني جلدتنا وهم يحاربوننا بالنيابة عن اليهود".
- "لسه الحبل على الجرار، والله -إن شاء الله- ما أخليهم يناموا الليل ولا يعرفوا الأرض من السماء"[9].
استشهاد يحيى عياش
رسالة يحيى عياش الأخيرة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وقائد المجاهدين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أهلي الأعزاء، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أبعث لكم رسالتي سائلاً المولى أن تصلكم وأنتم في خير حال، وقد كتبتُ لكم هذه الرسالة كي أطمئنكم، و(ما دام) لم تسمعوا في الإذاعة (شيء) عني، فإني بخير.

كم سررت عندما عرفتُ أنَّ معنوياتكم كانت عالية بعد استشهادِ الأخوين بشار وعلي؛ لأن ما (أصابهم) لا بدَّ (منه) أن يُصيبنا، والله (كتب) لهم الشهادة كي يستريحوا من عناءِ الدنيا، وأسأل الله ألا يحرمنا أجرهم، وألا يفتننا بعدهم، وأن يغفرَ لنا ولهم.

أبي العزيز.. أمي الحنونة.. كيف حالكم؟ لا تنسونا من دعائكم، وأن ترضوا عني وعن (إخوتي) مرعي ويونس، و(أبلغوهم) سلامي الحار لهم.. وأسأل الله أن يُفرِّج عنهم وأن يفك أسرهم.

وأنتما يا أم البراء، ويا أم راشد، أيتها الصابرات المحتسبات، اصبرن واحتسبن أجركن عند الله تعالى، وأحسنَّ تربية الأولاد: براء وراشد وآلاء، وأحسنَّ معاملة أبي وأمي، ولا تتشاجرنَّ، وكُنَّ مثالاً للأخوات.

أهلي الأعزاء جميعًا قد تطول الفُرقة؛ فعليكم بالصبرِ والاحتساب، وأسأل الله أن أراكم قريبًا، وأنتم تعلمون صعوبة الظروف، ولن أدخر جهدًا كي أراكم.. اعذروني؛ فأنا لم أتعوَّد كتابة الرسائل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ابنكم يحيى.

ثارت الكثير من التساؤلات حول جريمة اغتيال المهندس، والمتآمرون المشتركون في تنفيذ الجريمة الغادرة، فقد نشرت وسائل الإعلام تفاصيل غامضة وتقارير متضاربة في بعض الأحيان، ولكن ما تزال قضية اغتيال مهندس الأجيال تتفاعل وتثير الكثير من علامات الاستفهام، خصوصًا حول الشخصية التي تقف حقيقةً خلفَ عملية الاغتيال وكيف استطاعت الوصول إلى المهندس واختراق الجدار الأمني الذي أحاط به؛ إذ إنَّ الجريمة، وبشهادة خبراء الاستخبارات كانت مُعقدة فنيًّا واحتملت وفق الشواهد الكثيرة التي أحاطت بها نسبة عالية من المجازفة والمخاطرة، ولكن جهاز الشاباك والسلطة السياسية الصهيونية التي أعطت الضوء الأخضر بالتنفيذ لم يجدا مفرًّا من قبولِ هذه النسبة، فالهدف ثمين ولم يتم الاقتراب منه بهذه الدرجةِ من قبل.

عمليات البحث والمقارنة التي أجريناها بعد جمعِ كافةِ ما نُشِرَ حول الجريمة، وبخاصة القصة التي رواها أسامة حماد، صاحب المنزل الذي استشهد فيه المهندس وآخر شخص شاهده على قيدِ الحياة، إلى جانب تقارير وسائل الإعلام الصهيونية من صحفٍ وتلفاز وإذاعة، ومن خلال التفاصيل التي أمكن التحقق من صحتها، فإننا نقدم السيناريو التالي الذي نتوقع بأنه يمكن الاعتماد عليه:

1- أسامة حماد عضو حركة حماس الذي يُقيم مع عائلته في منزل من طابقين على بعد مائة متر من المفوضية العامة للشرطة الفلسطينية في بيت لاهيا يعرف المهندس منذ عام 1987م، فقد كان أسامة طالبًا في جامعة بيرزيت وسكن مع الطالب يحيى عياش في قرية أبو قش القريبة من الجامعة، وبعد أن تخرَّج أسامة من الجامعة في صيف العام 1995م وعاد إلى قطاع غزة في شهر أغسطس، اتصل به المهندس للمساهمةِ في تقديم المساعدة والخدمات له، وبخاصة في مجال الاتصالاتِ مع الضفة الغربية بعد أن انكشف أمر الهاتف الذي كان يستخدمه يحيى في مخيمِ النصيرات.

2- الاستخبارات العسكرية الفلسطينية التي يتزعمها العميد موسى عرفات هي التي اكتشفت علاقة أسامة بالمهندس في شهر (سبتمبر)، وقيام الأخير بإجراءِ الاتصالاتِ من منزل والدةِ الأول، وحتى تلك اللحظة، لم تكن أجهزة الأمن الصهيونية على علمٍ بهذه التفاصيل، ولكن مصدرًا مطلعًا في جهاز الأمن العام الفلسطيني يؤكد أنَّ العميد موسى عرفات المعروف بقربه من الشاباك، أبلغ عميلاً مزدوجًا قيل إنه كمال حماد (خال أسامة).

3- وعلى وجهِ السرعة، نقل العميد المعلومات القيمة إلى قيادةِ الشاباك، وبعد أن اطمأنَّ الجنرال كارمي جيلون لصحةِ المعلومات الواردة عبر شبكة العملاء الواسعة التي يحتفظ فيها بمدينة غزة، أبلغ شمعون بيريز بصفته رئيسًا للوزراء ووزيرًا للدفاع، وفي الاجتماعِ العاجل والطارئ الذي دعا له بيريز، أعاد رئيس الوزراء الجديد تأكيد الأوامر والتعليماتِ التي أعطاها سلفه بالقيام بكل ما هو ممكن للقضاء على المهندس، واتفق قادة الموساد وآمان والشاباك على وضعِ خُطة محكمة لاغتيال المهندس تشترك الأجهزة الثلاث في عملياتِ التنسيق وتبادل المعلومات والتنفيذ؛ حيث أسندت القيادة الميدانية للجنرال كارمي جيلون نفسه.

4- بعد تحديد الوسيلة المقرر استخدامها، وجد الجنرال جيلون أنَّ نقطةَ الضعف التي يُمكن النفاذ من خلالها تكمن في سكنِ أسامة مع والدته في بيت لاهيا، وهي أولاً، منطقة قريبة من مغتصبة نتساريم، وثانيًا، خال أسامة المدعو كمال حماد، ومن المعروف أنَّ كمال حماد (45 عامًا) هذا يتعامل مع سلطاتِ الاحتلال منذ عام 1970م؛ حيث كان له ضلع في الوشايةِ بعددٍ من الفدائيين في ذلك الوقت، وهو يمتلك شركة مقاولاتٍ كبيرةٍ قامت بأعمال عديدة لصالح الإدارة المدنية الصهيونية، ونفذت مشاريع إسكانية كثيرة بعد أن سلَّمته سلطات الاحتلال أراضي حكومية وأملاك غائبين.

وقد سافر هذا العميل قُبيل انسحاب القوات الصهيونية من قطاع غزة إلى تونس حيث التقى مع ياسر عرفات وموسى عرفات وأبو علي شاهين ومحمد دحلان ورشيد أبو شباك، وعرض عليهم تقديم بعض الأراضي ومشروع إسكان على سبيلِ الهدية مقابل غض الطرف عن عمالته وحمايته من أيدي حماس والجهاد الإسلامي؛ إذْ تبرع العميل بشقة سكنية في الطابقِ الثالث من بناية (برج النصر) إلى العميد موسى عرفات، وفي مقابل ذلك، زوَّده قائد الاستخبارات العسكرية باثنينِ من العناصر المزودين برشاش كلاشنكوف لحراسته، تولَّى حماد دفع رواتبهما.

5- طلب الشاباك من كمال حماد التقرُّب من ابن أخته وإغرائه بالعمل لديه، ولأنَّ أسامةَ الذي أنهي تعليمه مؤخرًا وحصل على شهادةِ بكالوريوس لغة عربية ودبلوم تربية بدون عمل، فقد قِبل دون تردد الوظيفةَ التي عرضها خاله، وهي الإشراف على تعليم أطفاله الأربعة عشر، ويومًا بعد يوم، تقرَّب كمال من أسامة محاولاً توثيق العلاقة معه حيث قام بإهدائه تليفون خلوي، وطبقًا لتعليماتِ الجنرال جيون، عاد كمال إلى ابن أخته طالبًا الجهاز ليوم أو ليومين، وتكررت هذه الطلبات ما بين أربع وست مرات، وفي كل مرةٍ كان يتذرع بأعذار مختلفة، ومن البديهي أن نستنتج أن الهدف من ذلك هو أن يعتاد أسامة على طلباتِ خاله، ولا تساوره الشكوك إذا ما عاد واستعار التليفون أثناء وجود المهندس، ورغم ذلك، يؤكد أسامة، بأنَّ المهندسَ كان حذرًا؛ إذ إنه كان يخشى استخدام هذا النوع من الأجهزةِ في اتصالاته لمعرفته بسهولةِ التنصت على المكالماتِ التي تجري من خلالها وإمكانية التحكم فيها من قِبل العدو الصهيوني، وإذا ما اضطر إلى استخدام إحداها، كان يحيى عياش يفحص الجهاز ويطلب من غيره التأكد أيضًا.

6- تمكنت الشاباك من تتبع مكالمة تليفونية أجراها الشيخ عبد اللطيف مع ابنه، ومن خلال تلك المكالمة، اتضح للجنرال جيلون بأن والد المهندس سيتصل بابنه على الهاتف العادي بمنزل أسامة حماد في الساعة الثامنة من صباح يوم الجمعة الموافق 5/1/1996م.

7- وضع الجنرال جيلون ومساعدوه خطة تفصيلية لاغتيال المهندس، بعد أن انتقل إلى موقع متقدم في مغتصبة نيسانيت القريبة من بيت لاهيا للإشراف بشكلٍ مباشرٍ على عمليةِ التنفيذ؛ حيث أُقيمت غرفة قيادة أمنية ذات تجهيزات فنية عالية، وفي ذلك الموقع، استعان رئيس جهاز الشاباك بخبراء وفنيين قاموا بتركيب بطارية خاصة صنعها القسم الفني بالموساد في جهاز التليفون الخلوي الذي استعاده كمال حماد من ابن أخته في أواخر ديسمبر 1995م، والبطارية الجديدة كانت في الحقيقة بنصف حجمها العادي حيث وُضعت المتفجرات التي يتراوح وزنها بين 40 و50 جرامًا في النصف الآخر، وكان كمال حماد قد دأب على التوجهِ إلى المغتصبة.

8- حاولت زوجة المهندس أن تستذكر الساعات الأخيرة للشهيد القائد، فتقول: "اشتاقَ كثيرًا لقريته وأهله وعائلته، وكان يقول دائمًا بأنه يريد العودة إلى هناك، وحدد وقتًا لذلك، قُبيل عيد الفطر"، وتُضيف أم البراء، بأنه ودَّعها وطفليه صباح يوم الخميس، أي قبل يوم من استشهاده، وخرج من المنزل الذي يختبئ فيه بجنوب قطاع غزة للقيام بمهمة ليلية مهمة جدًّا، وكان من المفترض عودته يوم السبت؛ ولذلك، طلب المهندس من زوجته أخذ ابنه عبد اللطيف صباح يوم الجمعة لختانه؛ حيث فعلت، ولم تعلم أم البراء عن استشهاد زوجها إلا في ساعاتِ المساء عندما حضر أصدقاؤه.

9- انتقل المهندس إلى منزل أسامة حماد في نحو الساعة (4.30) من فجر يوم الجمعة الموافق 5/1/1996 وقام بتأدية صلاة الفجر ثم ذهب للنوم، وحسب القصة التي يرويها أسامة حماد بعد ذلك، فإنه كان من المفترض أن يتصل والد المهندس على تليفون المنزل في نحو الساعة الثامنة غير أن اتصالاً غريبًا جرى في ذلك الوقت حين اتصل كمال حماد في الساعة الثامنة طالبًا من ابن أخته فتح جهاز التليفون الخلوي لأن شخصًا يريد الاتصال به ثم قطع الخط الهاتفي، ولم يكن في خط الهاتف البيت حرارة بعد هذا الاتصال.

وفي نحو الساعة التاسعة، اتصل والد المهندس مستخدمًا الهاتف الخلوي حيث رفعت زوجة أسامة السماعة وسلمتها لزوجها الذي كان نائمًا مع يحيى في نفس الغرفة. فأيقظ أسامة المهندس ثم أعطاه السماعة، وبعد (15) ثانية تقريبًا، وفيما كان أسامة يهم بالخروج من باب الغرفة تاركًا المهندس ليحدث والده، سمع دوي انفجار، فالتفت على الفور فرأي يد الشهيد القائد تهوي إلى أسفل، وغطى الغرفة دخان كثيف، ليتبين بعد ذلك أن المهندس قد استشهد.

10- طائرة مروحية تابعة لسلاح الجو الصهيوني حامت فوق المنزل في ذلك الوقت، يُعتقد أنها كانت تقل ضابط الشاباك المسئول عن تفجير الشحنة الناسفة التي زرعت داخل جهاز الهاتف النقال. فما أن تأكد الضابط من تشخيص صوت المهندس عبر أجهزة الرصد حين قال لوالده: "كيف حالك يا أبي، دير بالك على صحتك ولا تظل تتصل على الهاتف"، حتى ضغط على زر جهاز الإرسال لإرسال ذبذبة معينة لانفجار العبوة الناسفة لاسلكيًا، فوقع الانفجار.

11- اتصل كمال حماد بعد ذلك بوالدة أسامة وسألها عن حالة ابنها، وإن كان بخير وفي صحة جيدة ولم يمسه سوء، فأخبرته أنه بخير، فقال لها: "معلش أمر الله نافذ".

12- لم يعرف أسامة من هول الصدمة ما يفعله، إلا أنه تدارك نفسه سريعًا ومنع أيًّا من أفراد عائلته من الاقتراب من الغرفة التي كان فيها جثة الشهيد، واتصل أسامة ببعض أصدقاء المهندس من كتائب عز الدين القسام، وروى لهم كل شيء بالتفصيل، فأخذ المجاهدون جثةَ المهندس في ساعات الظهر وانطلقوا بها، وبعد ذلك قرروا وضع الجثة في مستشفى الشفاء.

13- عدد من قادة حركة حماس توافدوا على المستشفى لمعاينة جثة الشهيد، ومنهم الصحفي فايد أبو شمالة الذي يعرف المهندس منذ أيام الدراسة الجامعية، وقال فايد بأن الجهة اليمنى من وجه المهندس (من أذنه وحتى منتصف وجهه) كان مهشمًا تمامًا، وكذلك يده اليمنى، بينما لم يتأثر بقية جسمه إطلاقًا بالانفجار.

14- أكد أسامة أن الشهيد كان يتمنى الشهادة وكان دائمًا يردد "بأن على كل فلسطيني أن يتدرب على السلاح وأن يجاهد"، ويضيف أسامة بأنه صباح يوم الجمعة وقبل صلاة الفجر بقليل عبَّر المهندس لصديقه بأنه يشعر بدنو أجله.

15- بيان الكتائب أكد ضلوع أطراف من السلطة الفلسطينية في التمهيدِ والتعاون وتسهيل مهمة منفذي الجريمة الغادرة بحق المهندس، وأشار بيان الكتائب أيضًا، أنه وحسب التقارير المرفوعة إلى قيادة الجهاز العسكري لحركة حماس، فقد أكد مسئول الوحدة المكلفة بحمايةِ الشهيد أنَّ مجموعته نجحت قبل أسبوعين من الجريمة في ترتيب مغادرة الشهيد لموقع كان يتواجد فيه قبل مداهمة أجهزة استخبارات وشرطة السلطة بنحو نصف ساعة.

16- هرب كمال حماد إلى المناطق المحتلة منذ عام 1948 فور وقوع الجريمة؛ حيث وصل عند المسئولين عنه في جهاز الشاباك بمغتصبة نيسانيت، ثم نُقل بعد ذلك إلى مدينة يافا حيث ما يزال يقيم هناك[10].

لقد سماه والده يحيى وهو لا يعلم أن ابنه سيظل حيًّا وإن غاب عنا، فالاسم الذي أطلق عليه لقب حقيقي له، فحياة يحيى عياش لم تنته بعد، فهو الآن يحيا في الجنة مع الحور العين بعد طول عناء ومطاردات، ليكون رفيق النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. وما زال تلاميذ يحيى عياش سائرين على دربه، عاملين لإشراق فجر جديد على أرض فلسطين، وصدق الله العظيم الذي قال: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23].
رثاء زوجة يحيى عياش له

خصت الأخت هيام عياش (أم البراء) زوجة الشهيد يحيى عياش مجلة فلسطين المسلمة بنشر الرسالة التي كتبتها في وداع زوجها:

لن أقول وداعًا أبا البراء، يا راحلاً عنا ووجه الشوق في عينيه للضفة.. ومفارقًا ما ودّع الأحباب يومًا بل أودع الزيتون قلبه.. ومصليًا لله من قبل أن يسرج خيله، شد الرحال يحيى عياش.. طابَ الاستشهاد رحله... قسمًا سنوقد من دمائك ألف يحيى.. ألف شعلة.. بكتك فلسطين يا يحيى وبكاك أطفالها ونساؤها وشيوخها.. بكتك الخليل وأرامل الخليل وأيتامهم، بكاك بحر غزة يوم توقف لحظات حدادًا على البطل.. بكتك شوارع غزة وتراب الضفة وتراب فلسطين كلها الذي مشيت عليه وأبيت مغادرته.. لا.. لا.. لن تموت بل ستبقي حيًّا في قلوبنا، وفي قلب كل من عرفك، وعاش معك، وسمع عنك، ومن كان معك في الجهاد.. لا، لن نبكيك بل ستبقي ذكراك العطرة وعملياتك الاستشهادية وسياراتك المفخخة تشهد بأنك البطل والأب والمجاهد، ونِعْم جند الكتائب.

إن سألتموني عنه "أبو البراء" فماذا أقول؟ والله إن كل الكلمات لتعجز عن وصفه ولو تركنا طول العمر نكتب عنك ما وفيناك حقك يقولون كيف بدا؟ وكيف عاش؟ وكيف نشأ؟ تساؤلات كثيرة في الأذهان حول هذا القائد المغوار الذي أرعب اليهود وأذاقهم مر العلقم، جعل رابين لا يعرف للنوم طعمًا ولا راحة، تحدى جيشًا بأكمله وعلى رأسهم رابين الذي قال: أريد أن أقتل يحيى عياش بيدي، ولكنه -والحمد لله- خاب أمله، فقد مات بحسرته، وفرح أبو البراء بمقتله.

نشأ منذ طفولته وتميزت نشأته بالهدوء، والإيمان القوي الذي ألهمه الله إياه منذ نعومة أظفاره، حيث نما وترعرع في المساجد ورضع لبن العزة والكرامة وأبى الذل ونفر من الدنيا ومتاعها، وبعد أن حصل على الثانوية توجه لإكمال دراسته الجامعية في بير زيت حيث درس الهندسة الكهربائية، ومنذ دخوله للجامعة حمل على كتفه الأمانة الثقيلة وهي تحرير الأقصى ونيل الشهادة في سبيل الله حيث كنت أقرأ في دفاتره دائمًا هذه الكلمات:

أماه ديني قد دعاني للجهاد وللفـدا *** أماه إني زاحف للخلـد لـن أترددا

أماه لا تبكي عليَّ إذا سقطت ممددًا *** فالموت ليس يخيفني ومناي أن استشهدا

رغم أنه كان قليل الكلام، كثير الصمت، يحمل في داخله حملاً ثقيلاً، وأراد أن يجعل من علمه أداة لتفجير بني صهيون، عمل الكثير والكثير وسيّجه بسياج هو الصمت، حتى انفجرت القنبلة التي عرفت الناس به، وأصبح مطاردًا من قبل بني صهيون وأعوانهم في سنة 1993م، ومنذ ذلك الوقت أصبح مطاردًا حيث ابتعد عن البيت ووهب حياته للجهاد وحمل السلاح على عاتقه، وعندما نتحدث عن عملياته نقول: "ماذا تبقي لأم فقدت ابنا: وزوجه فقدت زوجًا: وطفلا فقد أباه؟ سوى التلذذ بلحظات الانتصار التي يقوم بها بطلنا يحيى عياش في معركة ضد جيش يفوقه عددًا وعُدّة، حيث شفى غليل الصدور، ومسح دموع الأرامل في فلسطين عامة، والخليل خاصة، فلقد ثأر لهم في مجزرة الخليل التي قام بها الصهاينة الذين قتلوا الركع السجود في شهر رمضان وهم ساجدون مجردون من السلاح.

وعند الحديث عن عملياته فالكثير يشهد له، شارع ديزنكوف يشهد بالقتلى على أرضه وحطام الجثث المبعثرة من هول الانفجار، فقد كان لا يعرف للنوم طعمًا ولا راحة فظل يجاهد في الضفة حتى ضاقت به الأرض بما رحبت مما اضطره للانتقال إلى غزة ليكمل مشواره الجهادي هناك، ولكن بعد مدة من الزمن أحس وكأنه في سجن وقبل استشهاده بفترة اشتاق للرجوع إلى الضفة اشتاق إلى الرحيل وكأنه أحس أن موعد رحيله إلى ربه قد آن... والله إنه قد تعب في دنياه، وآن الأوان لأن يستريح من عناء الدنيا ليلقى الله والرسول وأصحابه.

كان أبو البراء مثالاً للزوج الحنون والأب المثالي، فلقد عرفتموه مجاهدًا أما أنا فقد عرفته زوجًا وأبًا وبطلاً، لا يهمه همُّ الدنيا وزخرفها وكان يشتاق إلى الشهادة، إنه لم يمت بل سيظل حيًّا في قلوبنا، لن ننساك أيها القائد المجاهد وستبقي ذكراك ترعب اليهود، وتجدد العزيمة أيها القائد... "مسحت يا أبا البراء دموع اليتامى فمن يمسح دموع براء ويحيى، أسال الله أن يبعث فينا من يعوضك، قسما سنوقد من دمائك ألف يحيى وألف شعلة، وإن العين لتدمع، وإن القلب ليجزع، وإنا على فراقك يا أبا البراء لمحزونون"[11]. زوجتك أم البراء.
إقرأ المزيد Résuméaladdin

الأربعاء، 14 أغسطس 2013

العودة في الشعر الفلسطيني

د. يوسف حطيني

هذه الدراسة مهداة إلى جموع العائدين في يوم العودة


تمسّك الفلسطينيون الذين هُجّروا من فلسطين بحقّ عودتهم إليها على الرغم من الاضطهاد والتجويع والتشريد والقمع الذي عانوا منه في الوطن والمنفى، وتعاملوا مع هذا الحق بوصفه حقّاً ثابتاً راسخاً غير قابل للتصرف، ولا يملك أحدٌ حق التنازل عنه، لذلك غصّت أدبياتهم بالإصرار على العودة إلى أرضهم، بحدودها التاريخية، وعبّر شعراؤهم عن هذا الحقّ من خلال أشكال متعدّدة، وظهر التمسك به من خلال رموز كثيرة، ومنها رمز المفتاح الذي صار في كثير مما كتبه الشعراء رديفاً للبيت والوطن.
فالشاعر عبد الغني التميمي يتحدّى الغاصب بمفتاح البيت، ويؤكد له أنَّ آلاته العسكرية لن تستطيع القضاء على روح المقاومة، وإرادة العودة، ولن تقوى على إطفاء شمس الغد؛ إذ مهما تفنن الغاصب في قمعه للإنسان الفلسطيني، ومهما حاول تغييب حاضره، فإنه لن يكون قادراً على محو الماضي، أو سرقة المستقبل. يقول التميمي:
لم يَزَلْ مِفتاحُ بيتيَ في يدي
لم أزَلْْ أحضُنُ ذكرى بلدي
ما عرفتُ اليأسَ – يا جلاّدُ – يوماً
هذه آلاتُك اشْحَذْها...وهذا جِلْدي
أيها القاتلُ يومي بُؤْ بِهِ
أنتَ لا تقوى على قتلِ غدي
أولاً ـ حلم العودة:
وفي إطار تأكيد حقّ العودة يذكر الشاعر وجيه سالم أنّ هذا الحقّ لا سبيل إلى التنازل عنه، وأنَّ العودة هي حلم المشردين، وحلم الذين ينتظرون لقاءهم، كما يشير إلى أنّ المفتاح (رمز الإصرار على العودة) سينتقل من جيل إلى جيل، فهو يقول:
تحريرُ الأرض هو الأملُ وبحقّ العودةِ يكتملُ
حقٌ لم نرضَ لهُ عِوَضـا ما في الأكوان لهُ بدلُ
مِفتاحي ها هو في جيبـي لحفيدِ حفيدي ينتقلُ
ويبدو حلم العودة عند الشاعر أحمد مفلح على شكل شوق إلى بيسان وذكرياتها، فهو يتساءل عن عينيها، وعن ضفتي بحيرة طبرية، وعن الزنابق، ويطلب منها أن تأخذه إليها عائداً من منافي الضياع، من أجل أن ينقش أشعار حبّه على خصر شجرة تين، وحتى يخيّم في ظلال الزيزفون. يقول أحمد مفلح مخاطباً بيسان:
أما زال في عينيكِ صيف وأنجمُ وفي صدرك الريان مسك وعندمُ ؟
أما زال بين الضفتين زنابقٌ تهدهد شوق الغور والغور ينسمُ
خذيني لقد أشعلت كل مراكبي إلى غابة الدفلى أضيع وأرسمُ
وأنقش أشعاري على خصر تينة وتحت ظلال الزيزفون أُُخيّمُ
ويمتزج الحنين بحلم العودة عند الشاعر أيوب طه الذي يختصر الوطن في عدد من رموز الزمن الماضي، ومن خلال هذه الرموز المعبّرة ينجح في أن ينقل للقارئ معاني الشوق العظيمة التي يحملها لقريته ومدينته، ولكل تراب على مساحة ذلك الوطن، فهو يشتاق لكرم التين، وكرم العنب وظل الزيتون قائلاً:
ما زلت أحنّ لكرم
التين,
للجلسة في ظلّ
الزيتون
عن كثب من دالية الكرم "السلطية"
لأرى الماضي يلهو في حضن البريّة,
أحلاماً مثل دموع الفجر غمامية
فمتى سأعود لكرم التين!؟
وأقلم أشجار الزيتون بقدّومي
وأدغدغ حبات العنقود,
من بعد غياب
وعلى الرغم من أنّ المخيم والمنفى حمل قسوة الغياب عن الوطن إلا أنه لم ينجح في محو الصورة البكر لذلك الوطن الذي تسرّب إلى لا وعي الجيل الثاني عبر المورّثات التي حملها من الجيل الذي عاش في فلسطين. وقد صورت الشاعرة ليليان بشارة منصور في قصيدة "وصية الأجداد" دور الذين عاشوا في أرض فلسطين في نقل عدوى حبّ الوطن إلى الأجيال اللاحقة التي جاءت أكثر تمسكاً بحقها في العودة. تقول ليليان عن هؤلاء الأجداد:
يموتون
وفي قلوبهم حسرة التشرد
أجدادنا
ذاكرتهم قبل السياج
جرة مملوءة بالكلام
ولأجدادنا
في قبورهم الدافئة
ذاكرة محنطة
يعيشون في حلم العودة
وعلى الرغم من أنّ الشاعرة لم توفّق كثيراً في استخدام تعبير (ذاكرة محنّطة) فإننا نلتمس لها العذر في أنها أرادت أن تعبّر عن ذاكرة وقفت عند حلم العودة الذي لا تريد من فكاكاً، ولأن هؤلاء الأجداد يملكون جرة مملوءة بالكلام عن الوطن المفقود؛ فقد نجحوا في نقل مورّثات حب الوطن إلى الأجيال اللاحقة. ومع انتقال هذه المورّثات أصبح مألوفاً أن نرى الجيل الثالث يحمل العودة شعاراً، ويحلم بها. وثمة قصيدة للشاعر المتوكل طه تحمل عنوان "آمنة تعود إلى اللطرون" وهي قصيدة رقيقة تندرج في هذا الإطار. ومنها:
قُلتِ سأرجعُ حتى أُلملمَ دمعي،
ولا يلحظَ السائرون عيوني،
سألتكِ: من أين جئتِ بهذي المياهِ الغزيرةِ؟
لم تلدي يانعةً في زوايا المكانِ،
ولكنَّهم أخبروكِ بأنّا وُلدنا وكُنّا هنا،
وكنتِ هناك على مَهَلٍ تكبرينَ،
وظَلّ المخيمُ في حُزْنه حسرةً
خلفَ ظِلٍ خفيفْ.
ويفيد الشاعر خالد علي مصطفى من الموروث الديني، ويستلهمه بنجاح، إذ يعود إلى معجزة الإسراء والمعراج، معبّراً عن توقه لمعجزة جديدة، يظهر فيها البراق من جديد، ليحمل على ظهره المشردين، ويطوي بهم المسافات النائية نحو وطنهم الحبيب، فهو يقول مخاطباً البراق:
هلم أيها البراق نجنا،
اطو بنا المسالك الطوال
شفاهنا تخزن في عروقها الرمال
وقد حمل عدد كبير من الشعراء حلم العودة أمنية يبحث عن تحقيقها بطرق مختلفة، حتى إنَّ بعضهم تمنى أن يكون طائراً قادراً على التحليق في سماء الوطن. ويمكن في هذا الإطار أن نشير إلى مقطعين للشاعر الكبير يوسف الخطيب الذي يقول مخاطباً عندليباً قادماً من فلسطين:
لو قشّةٌ مما يرفُّ ببيدرِ البلدِ
خبّأتها بين الجناح وخفقة الكبِد
لو رملتانِ من المثلث أو ربا صفدِ
لو عشبةٌ بيدٍ.. ومزقةُ سوسنٍ بيدِ
أم عدتَ مثلي بالحنين وسورة الكمدِ
إنّ الشاعر هنا يصوّر خير تصوير حالة التفجّع التي مرّ بها الأدب الفلسطيني، وربما لن نجد في الشعر الفلسطيني مقطعاً أكثر حزناً وتعبيراً عن شوق المشرد الكسير إلى أرضه المغتصبة. غير أنّ ثمة وجهاً آخر للصورة لا يكتفي بترحيل بعض ذرات التراب خارج الوطن، فالتراب في الرؤية الثورية لا قيمة له بعيداً عن أرضه، وقد أدرك الشاعر نفسه هذه الحقيقة لاحقاً حين تمنى في مقطع آخر أن يكون قُبّرة تعود، لا منفياً ينتظر الطيور العائدة. يقول يوسف الخطيب في قصيدة "ليتني كنت قُبّرة":
ليتني كنت قُبّرة
فأطير
وجناحي مصفقٌ
في الأثير
فوق بيارة لنا
وغدير
ليتني كنت قُبّرة
ويعبّر الشاعر محمود صبحة في خلال مخاطبته الطيور العائدة عن شوقه إلى أرضه السليبة، وعن أمنياته في أن يحذو حذوها، من دون أن يذكر ذلك بشكل مباشر، إذ يغبط في المقطع التالي رفوف الطيور العائدة مع الربيع، على الرغم مما تحمله في قلبها من الأسى؛ فقد قال يخاطب الطيور:
وأنتِ يا عائدةً مع مَطلعِ الربيعْ ،
بلونِ حزنٍ ثاكلٍ من أثرِ النجيع ،
من بعد طول غُربةٍ ، في طلبِ الدِّفءِ ،
وخَلْفَ المَرتَعِ الأمينْ ،
تُعاودينَ عُشَّكِ القديمْ،
بشوقكِ الدفينْ
وتنتقل أمنية التحول إلى طائر عابر للحدود نحو الوطن على يد الشاعر علي هاشم رشيد من الشاعر نفسه إلى أحد المشردين الذين يخاطبهم، إذ يتمنى أحد المشردين لو أنّ له جناحاً ليركب الرياح، غير أنّ الشاعر يضيف هنا فكرة جديدة مفادها أنّ العودة لا تتحقق بالأمنيات. يقول علي هاشم رشيد:
قـد قال لي: لـو أن لـي جناحْ إذن ركبتُ هـذه الريــاحْ
وطرت للرّبـا وللـبطـــاح مـغرّدًا معْ نسمة الصَّبــاح
فقـلـت، والحديث ذو شجونْ يرفّ في الـحـيـاة والظنونْ:
يـا صـاحبي إن المنى خـيـالْ ما لم تجئهـا عزمـةُ الرجـالْ
ومثلما انتقلت عدوى التحوّل إلى طير عابر للحدود من الشاعر إلى أحد المشردين، فقد انتقلت هذه العدوى بشكل جمعي إلى جميع المشرّدين، وصار حلم العودة أكبر. إلا أنّ هذا الحلم يبدو رمزياً عند الشاعر فهد منير الحاج، الذي يرى في منامه أنَّ نخلة كريمة الثمر راح المشردون يرتاحون في أفيائها، بعد طول نفي وتشريد، ولعلها تكون شجرة العودة، يقول الشاعر:
حلمت أنَّ نخلة في أرضنا نمت
ما هزَّ جذعها خطرْ
(...) تناطح السحاب والغيومْ
وفوقها تألقت شمس وخيّمت نجومْ
تصافح القمرْ
والمجد في سمائها يحومْ
حلمت أنّ نخلة جادت بها يد القدرْ
يرتاح في ظلالها مشردٌ
من بعد أن أرهقه السفرْ
ثانياً ـ طريق العودة:
إذا كان بعض الفلسطينيين قد رأوا العودة حلماً، وإذا كان بعضهم قد رأى أن الأحلام لا تتحقق بالأمنيات، فإن آخرين حاولوا رسم طريق العودة، والانطلاق من التضحية الفردية والجماعية لرسم ملامح هذا الطريق. فالشاعر توفيق زيّاد أخذ يتلمّس معالم هذا الطريق، مشيراً إلى أنه مستعدّ لبذل الغالي والنفيس في سبيل تحقيق هذا الحلم، وأنّ تحقيق هذا الحلم مقترن بالبذل والعطاء. يقول زيّاد موجهاً خطابه إلى عموم المشردين:
أحبائي !!
برمش العينْ
أفرش درب عودتكم ،
برمش العينْ
وأحضن جرحكم،
وألُمّ شوك الدّرب،
بالجفنينْ
وبالكفينْ
(...) ومن لحمي ..
سأبني جسر عودتكم
على الشطّينْ
ويبيّن الشاعر منذر أبو حلتم أن طريق العودة لا بدّ له من بذل الدماء الزكية، وأنَّ هذه الدماء التي تُبذل هي الشراع الذي يقود سفينة العودة نحو الوطن، لذلك يجعل دمه شراعاً لا شراع سواه. يقول أبو حلتم:
دمي .. يا دمي
يا شراعي الوحيد
تقدم .. تقدم
فهذي بلادي
عن دربها الحر
لا لن تحيد
وعلى هذا الطريق الذي يضيئه المناضلون بتضحياتهم، وينيره الشهداء بدمائهم، تسير القافلة من دون تردد، ومن دون أن تؤثر فيها السنون التي تمرّ من عمر النكبة. يقول الشاعر محمود صبحة موضحاً إصراره في لغة تنقصها الشعرية ولا ينقصها وضوح الرؤية:
إنا على الطريق سائرون
في حلُم العودة
مهما طالت السنون
ويقدّم الشاعر عيسى الرومي رؤية مشابهة للرؤية السابقة، مستفيداً من الغنائية التي يتمتّع بها، ومن أنساق لغوية معروفة تراثياً في التحدّي، ليبيّن مدى الإصرار على السير باتجاه الوطن، برموزه المكانية كافةً. يقول الرومي:
ومن غزّهْ
إلى بيسانْ
نرى العزّهْ
تقول الآنْ:
سلاماً أيها الوطنُ
ولو قطعت أيادينا وأرجلنا
نسير إليك لا تعبٌ، ولا وهنُ
إلى الكرمل ْ
إلى المجدلْ
فتتبع موجنا السفنُ
ويخاطب الشاعر أكرم عرفات الوطن الغالي، مؤكّداً أنَّ الشعب سيبقى على موعدٍ مع العودة، من خلال الإعداد لتحقيقها، عبر السير في طريق النضال، واستمرار الثورة، ومجابهة الأعداء، حتى يتم الوصول الحرّ العزيز إلى الروابي الفاتنة والمغاني الجميلة:
سأظل يـا وطنـي أُعـدُّ لجــولةٍ فيها سأسحقُ كلَّ من عـاداكـا
ولسـوف أبقى ثـورةً طـول المدى حتى أعـودَ إلى الربـوع هنـاكا
حـيث الروابـي الفـاتناتُ بسحرها حـيث الجمالُ البكْر في مغنـاكا
ويبدو الشعب العربي الفلسطيني مصرّاً على اتباع طريق النضال، وفقاً لرؤية الشاعر محمود سليم الحوت، إذ يرى أن الحرب ستبقى سجالاً بين أصحاب الأرض ومغتصبيها، وأن السلام لا يمكن أن يتمّ إلا بتحقيق عودة المشردين إلى ديارهم. يقول الحوت مؤكداً أن السلام مرهون بالعودة:
ما السلم؟ ما الأمن؟ والأعداء في وطني؟ أنا طـريد وهم سكان جنته؟
لا، لن ترى السّـلم إلا بعد عـودتنا مع الدمـار المغـني لحن نقمته
نعم سـنرجع والدنـيا مهـلَّـلـة للنصر، والغرب مفجوع بدولته
تلـك التي قـال عنـها: إنها خلقت لكي تعيش.. ويبقى مدُّ صولته
ثالثاُ ـ حتمية العودة:
عندما قال محمود درويش: "يا أمّنا انتظري أمام الباب إناّ عائدون" لم يكن يتحدّث عن أمّه، بل عن أمّنا التي هي كل الأمهات الباقيات في أرض الوطن، أو هي فلسطين ذاتها التي تنتظر العائدين الذين تشّق أصواتهم ريح المنفى، وتقتحم حصون الصمت.
لقد بدا درويش هنا متيقّناً من حتمية العودة المظفّرة للشعب الفلسطيني، فكان واحداً من الأصوات الكثيرة التي عزفت لحن الرجوع ذاته، بأقوى عبارات الإصرار. ومن منّا لا يحفظ قصيدة الشاعر عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)؟ ومن منّا لا يتغنّى بأبياتها التي تعدّ صوّة من صوى الهداية نحو فلسطين؟. يقول أبو سلمى:
ويســــــألني الرفاق ألا لقاء وهل من عــودةٍ بعد الغيــاب
أجل ‍.. ســــنقبل الترب المندى وفوق شـــفاهنا حمر الرغاب
غداً ســنعود والأجيال تصــغي إلى وقع الخـطى عــند الإياب
مع الفجر الضحوك على الصحاري نعود مع الصــباح على العباب
مع الرايات دامية الحواشــــي على وهج الأســــنة والحراب
وقد بدا هذا الإصرار جليّاً عند الشاعر هارون هاشم رشيد، إذ إنّ الشاعر أكّد أن لليل آخِراً، وأنّ الخيمة السوداء التي صنعت كي تقبر اللاجئين تحوّلت منطلقاً لهم نحو التحرير، وأنّ فلسطين التي سقطت في الأسر ستستعيد حريتها المفقودة. يقول الرشيد:
أخي مهما ادلهمّ الليل سوف نطالع الفجرا
ومهما هدنا الفقر غداً سنحطم الفقرا
أخي والخيمة السوداء قد أضحت لنا قبرا
غداً سنحيلها روضاً ونبني فوقها قصرا
غداً يوم انطلاق الشعب يوم الوثبة الكبرى
غداً في زحمة الأقدار سوف نحقق الأمرا
فلسطين التي ذهبت سترجع مرة أخرى
وفي قصيدة تبدو أجمل من سابقتها، وأكثر دفئاً، وأبهى رونقاً، يؤكد هارون هاشم رشيد العودة في صيغة المستقبل المحقّق حتماً، ويرسم أفق الأمنيات مخاطباً قلبه أن يصمد، وألا يكف عن الخفقان قبل تحقيق هذه الأمنية الغالية. يقول الرشيد في أبيات بديعة غنتها فيروز فزادتها إبداعاً:
سنرجع يوماً إلى حيّنا ونغرق في دافئات المنى
سنرجع مهما يمر الزمان وتنأى المسافات ما بيننا
فيا قلب مهلاً ولا ترتمي على درب عودتنا موهنا
يعزُّ علينا غداً أن تعود رفوف الطيور ونحن هنا
وتقدّم فدوى طوقان برهاناً جديداً على حتمية العودة من خلال إصرارها على سير الطريق ومتابعته حتى النهاية، إذ تقدّم مجموعة من تراكيب الاستفهام الإنكاري، تنكر فيها أن تعيش مسلوبة الحق، منفية الروح، مقدّمة بعد ذلك إجابة شافية: إنّ هذا الاغتصاب، وهذا النفي القسري لن يستمرّ إلى الأبد. تقول فدوى:
أتغصب أرضي؟
أيسلب حقي وأبقى أنا حليف التشرد أصبحت ذلة عاري هنا
أأبقى هنا لأموت غربياً بأرض غريبة
أأبقى ؟ ومن قالها؟ سأعود لأرضي الحبيبة
سأنهي بنفسي هذه الرواية
فلا بد ، لا بد من عودتي.
ويستطيع القارئ أن يلحظ في شعر العودة الفلسطيني، ومن خلال معظم النماذج، تكراراً لصيغ التوكيد المختلفة، كقول الكثير منهم: (إننا عائدون) أو (إنا عائدون)، بالإضافة إلى استخدام صيغة المضارع المستقبلي على نطاق واسع، من مثل (سنعود، سأعود، سنرجع، سأرجع، سنغيّر، سنبني، سننهي، سنأتي). ويستطيع القارئ أن يبحث عن مثل هذه المفردات في القصائد التي تتناول العودة، لأنّ الشعراء يقدّمون صيغة لغوية توازي بيئتهم النفسية التي تحتشد فيها الإيمانيات والحتميات لتقول الأمر نفسه، بأشكال متنوعة. وهنا نشير إلى قول الشاعر ربحي محمود الذي يقدّم المشهد نفسه، بلغة تتفق في الرؤية مع ما أنتجه الأدب الفلسطيني في هذا المجال. وها هو ذا يقول:
وقل : إننا زاحفون
سنأتي .. ونزحف
من كل فج عميق
نُطيحُ بهام الجبال
ونعبر تلك الوهاد
نبددُ تلك السدود
وقل : إننا عائدون
سنبني ونبني
ونرفعُ مدماكَ أمجادِنا والبناء
ويمضي الشعراء الفلسطينيون مدىً أبعدَ في تأكيد حق عودتهم وفي إيمانهم بحتميتها، فالشاعر سليمان السلمان يؤمن بالعودة المنتظرة، مهما عظمت التضحيات، ومهما بلغ القمع الإسرائيلي، وهو يتحدّى صنوف الغدر والقهر والإبادة، ويرى أنَّ العودة ستتحقق حتى ولو بقي في الكون كله فلسطيني واحد، يقول سليمان:
شعبي أمامكم.. كما شئتم أبيدوا
إن ظلّ منّا عشرة سنعود
ونقولها
ونقولها ونعيد
إن ظل منا واحد سنعود
وإذا كان سليمان السلمان يؤكد هذه الحتمية رغم الإبادة، فإنّ عادل أديب آغا يرى أنَّ الاستشهاد لا يعني نهاية الحياة، وأنَّ العودة يمكن أن يحققها الشهيد الذي سقط في معركة الكفاح الوطني، لذلك يخاطب فلسطين التي يراها أجمل العاشقات، مؤكداً لها أنه سيرجع إليها، ولو كان شهيداً. يقول آغا:
فيا أجملَ العاشقاتِ أتيتُ وحيدا
يُكلِّلني الصمتُ - لو تعلمينَ
أجيء وحيدا
فخلّي بعينيك بعضَ دموعٍ وورده
فإني سأرجع يومًا: شهيدًا جديدا
وعلى الرغم من أنّ عدداً من الشعراء انتقلوا إلى الدار الآخرة، فقد أراد هؤلاء أن يعبّروا من خلال شعرهم عن أنهم لا يرون في الموت نهاية المطاف بالنسبة للعودة. فقد عبّر الشاعر حسن البحيري عن حتمية العودة إلى فلسطين، ولم يفقد ذلك الإيمان مع إدراكه أنّ مصير العظام أن تغدو رميماً، لأنه سيعود ولو كان عظاماً بالية، أو حفنة من تراب. يقول البحيري في واحد من أجمل مقاطع شعر العودة:
وإما تولى ربيع الشباب وصوّح منه نـديُّ الزهَـرْ
وحُمّ الردى أجلاً في كتاب به من منايا البرايا سُوَرْ
فلا تيأسي من إيابي إليك وإن غيبتني طوايا الحفـرْ
فإني ولو حفنة من تراب سأرجع في قبضات القدرْ
رابعاً ـ تأثيث مكان العودة :
ينقل الدكتور أسامة شهاب في كتابه "الحركة الشعرية النسوية في فلسطين والأردن" كثيراً من النصوص التي تؤكّد إسهام المرأة الشاعرة في ترسيخ مقولات الشعر الفلسطيني عموماً، ومن تلك المقولات، بالطبع، موضوع العودة. وهو يورد عدداً من النصوص في هذا المجال، ومن هذه النصوص ما قالته الشاعرة خديجة أحمد رشيد التي تستثمر إمكانات التأثيث المكاني كافة من أجل أن تؤكد حتمية العودة. تقول خديجة:
قادمةٌ يا أختاه.. من قلب الصحراء بالثوب الأخضر
وغصون الزيتون، قادمة يا أختاه، رغم الأحزان
ستمرّين على أجساد الشهداء.. والأزهار تغني لحن العودة
والأطفال.. بزوارق تعلوها الأشرعة البيضاء
وتعودين إلى المحبوب
وتغنين أغاني الحب المشبوب
تحت ضياء الشمس
في ثوب أبيض فضفاض تعلوه نقوش خضراء.
ويبدو تأثيث المكان الذي ينتظر عودة أهله مغرياً لكثير من الشعراء، إذ تمَّ ذلك التأثيث بطرق مختلفة، فالشاعر كامل توفيق الدجاني لم يجد طريقة أجمل من تأثيث ذلك المكان بالابتسامات والطيور، وضوع الزهور والذكريات، تلك الذكريات التي تحتاج إلى من يبعث فيها الحياة من جديد. ومن أجدر بذلك الفعل من الفلسطيني العائد بعد غياب؟ يقول الدَّجاني:
لسـوف أعـود إلى جنّتي أُعـيـد إلـيـهـا ابتسـامَ الهـنـاءْ
أعيد الطيورَ وموجَ الغصونِ ونشـرَ الزهـور وعهدَ الصـفــاء
لسـوف أعـود إلى جنّتي أردّ البغاةَ وكـيـــــــد الطغاه
وسوف أعـود إلى جنتـي أجـدّد فـيـهـا معـانـي الـحياه
ويستثمر الشاعر الشهيد كمال ناصر في رحلة تأكيد حتمية العودة إمكانات التأثيث، فيتحدّث عن حيفا، ويصف صمود الكرمل، وجرح الأرض الذي ينزف شوقاً، ليقسم بعد ذلك أنّ الشعب سيحمل جراح غربته، ليضمّد جراح الأرض التي تنتظره بلهفة. يقول كمال ناصر:
تلك حيفا فقف بها يا جناحي لا تصفق في دربها المستباح
هو ذا الكرمل المطل على البحر صَمود لعاصفات الرياح
قسما بالثرى الجريح على الأر ض يروي بالحقد حمر الأقاحي
سوف نأتي إليك يحملنا الجر ح شظايا مدمدمات الصداح ِ
وقد بدا الشاعر محمود سليم الحوت مهتمّاً إلى حدّ كبير في تأثيث ذلك الوطن المغتصب الذي ينتظر العودة، فالجبال صامدة منتظرة، والسفوح تسفح دموع الشوق فوق خدّ السهل، وقلوب الروابي تكاد تنفطر من طول الانتظار. لذلك فإن العودة إليها هي التي ستعيد الفرح مرة أخرى إلى الوطن، وإلى العائدين الذين سينعمون في تلك الفراديس المفقودة. يقول الحوت:
سنستعيد الجبال الشم صامدة كأنها القدر المحتوم ينتظر
والسفحَ والمنحنى والقاعَ جارية دموعها فوق خد السهل تنحدر
ونسترد الروابي وهي صابرة على الفراق بقلب كاد ينفطر
سنستعيد رحابَ الدور عانية والشوق مؤتلق فيها ومزدهر
ونسترد فراديساً معلقة ما خالط الروحَ إلا ريحُها العطرُ
ولا ينجح الشاعر أحمد الصدّيق كثيراً في بثّ روح الحياة في الوطن الذي ينتظر العودة، ويصير هذا الوطن مجموعة أسماء لا صفات لها، ولكنه مثل غيره يؤكد على أنّ العودة حتمية تاريخية واقعة لا محالة، فهو يقول:
مهما تتقاذفني الأمــــــوا ج فأنت نهاية أسفــاري
حيفا والّلد وبئر الســــبـ ـع وكل سفوح الأغــوار
والقدسُ ومســجدها الأقصى وسيوف جدودي الأخيار
لن تذهب أحلامـــي أبدا بالنصـر ستعقد أثماري
وثمة من سلك من الشعراء في تأثيث الوطن مسلكاً آخر، فلم يكتف بالتأثيث الخارجي، وراح يبرز صورة المدن والقرى المنتظرة، ويؤثث النفوس التي ترابض في الوطن بأشواق الانتظار، ولعلّنا نشير هنا إلى الشاعر توفيق زيّاد الذي يجعل الشبّابة والموال وعمود الخيمة كلّها تعبّر عن شوق التراب لأهله الموزعين في المنافي. يقول زيّاد:
فلسطينيةٌ شبّابتي ،
عبأتها ،
أنفاسي الخضرا .
وموّالي ،
عمود الخيمة السوداءِ ،
في الصحرا .
وضجة دبكتي ،
شوق التراب لأهله ،
في الضفة الأخرى
لذلك فإنّ الشاعر زيّاد ينتظر مع الدبكة والموال والشبابة هؤلاء العائدين، وهو يحمل في يديه الورد والحلوى، وفي جنبيه ترحيباً بأخبار سارة تنبئ عن عبور الأهل نحو الوطن الذي يمرح فيه المغتصبون، ويصلبون من تبقى من أهله، وها هو ذا يقول:
أنا بالورد والحلوى
وكل الحبّ أنتظرُ
وأرقب هبة الريح التي
تأتي من الشرقِ لعلّ على جناح جناحها
يأتي لنا خبر
لعلّه ذات يوم يهتف النهر :" تنفس!!
أهلك الغُيّابُ،
يا مصلوبُ،
قد عبروا!"
ويوجّه الشاعر مؤيد العتيلي نداءه المشتاق إلى المنفيين المشردين، طالباً منهم أن يعودوا إلى القدس ورام الله والقدس وغزّة، وكل مكان من الأرض الفلسطينية، لأن مريم العذراء تنتظر الخلاص، وثمة عرس ينتظركم كي يقام في رام الله، وثمة في نابلس وغزّة متسع لفرح العودة. يقول العتيلي في قصيدة "ترنيمة فلسطينية" مخاطباً المشرّدين:
عودوا .. فسيِِّّدةُ العذارى ..
وحدَها في القُدسِ .. تنزفُ ضوءها السرِّيْ ..
عودوا .. فرام اللهِ ..
عرسُكُمُ المُؤجّلُ .. في انتظارِ الرّوحْ ..
عودوا .. ففي نابُلْسَ متَّسَعٌ ..
لأفراحِ الصَّبايا العاشِقاتْ ..
عودوا ..
فغزَّةُ تَسْتَثيرُ البَحْرَ ..
بَحثاً عن لآلئها الدّفينةْ ..
خامساً ـ رفض العودة الملتبسة:
بعد توقيع اتفاقيات أوسلو بين الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية ظهر في الأدب الفلسطيني مجموعة لا يستهان بها من الكتابات التي تنعى هذه الاتفاقيات، وتحذّر من مفهوم العودة الملتبسة، إذ إنّ أية عودة لأي شخص تحت حراب الاحتلال هي منقوصة، لأنها لا تتم في إطار حركة تحرّر وطني شاملة، تجعل من البوابات المؤقتة التي يحرسها الاحتلال بوابات مفتوحة دائماً.
وسبّق أن حذّر الأديب الشهيد غسّان كنفاني في روايته عائد إلى حيفا من هذه العودة المؤقتة، وغير الفاعلة، ورأى فيها قهراً يضاف إلى قهر الفلسطيني، وغربة تضاف إلى غربته. وكيف يمكن لشعور الغربة أن يزايل الفلسطيني، وهو يقف على بوابات العبور نحو بلده كما يقف المتسوّلون؟. ولنا هنا أن نذكر صورة العبور المذلّ التي زخرت بها الأدبيات الفلسطينية، وعند الأديبات الفلسطينيات خاصة، من مثل سميرة عزّام وسحر خليفة وفدوى طوقان. وما دمنا في إطار دراسة الشعر الفلسطيني فلا بأس أن نورد في قالته فدوى في واحدة من قصائدها، مصوّرة استجداء العبور نحو الوطن:
آهات أمام شباك التصاريح عند جسر النبي
وقفتي بالجسر أستجدي العبور
آه ، أستجدي العبور
اختناقي ، نَفَسي المقطوع محمول على
وهـج الظهيــرة
سبع ساعات انتظار
ما الذي قص جناح الوقت ،
من كسّح أقدام الظهيرة ؟
ويمكن أن نمثّل للموقف من العودة الملتبسة بعد أوسلو بما قاله الشاعر أحمد دحبور حولها، إذ شعر الرجل بمرارة الانتماء، وأحس أنه يعيش في هذه الحالة هجرة ثانية إلى منفى جديد؛ إذ لم يشعر بأنه يملك الوطن والتاريخ. يقول دحبور:
إن للاشيء في تربته معنى ونعتا
ليت أني، ليت أنّا
غير أنّا
غير أني ها هنا الآن :
لماذا ؟ وبماذا ؟ والسنونو حائرة
عودة أم هجرة ثانية يا أيها السرب المعنى
وقد أشارت الشاعرة رجوة عسّاف إلى الفكرة ذاتها، إذ تشعر مع تلك العودة بأنها دخلت دارها من بوابة الخدم، إذ لا فرحة ولا زغاريد، ولا نصر ولا ظفر، وليس ثمة إلا الخزي والعار. تقول رجوة:
وأدخل - حلوتي – بيتي
بلا فلٍّ على نحري
بلا سرب من الحسونِ
يملأ عودتي فرحه
ولا خلخال أزهارٍ
على قدمي
لأني جئت صوب الدارِ
من بوابة الخدم
لأني جئت للدارِ
أذوب بحلة العارِ
وأقدامي مجرحةٌ
بلا خلخالْ
وكان الشاعر محي الدين الصفدي قد لخّص الموقف من العودة في ظل حراب الاحتلال تلخيصاً بيّناً، في واحدة من قصائده، فهي عودة ذليلة، لا يعترف من خلالها العدوّ بحقّك، بل يسخر منك لأنك لا تملك القوة، ولأنّ الأرض وفق شريعة قانون الغاب ليست لأصحابها، بل لمن فاز بمعركة الدفاع عنها. ويتلمس القارئ في هذا النص الذي ينحو منحى الشعر القصصي دعوة إلى امتلاك القوة التي تحقق العودة الظافرة, يقول الصفدي:
ها قد غدوتُ لأوطاني على قدمي والوجدُ قرّح أجفاني وبرَّحَ بي
فجئتُ عجلانَ بابَ الدار أطرقه طرقَ الذي آبَ من منأىً ومُغتربِ
إذا بعلجٍ قبيحٍ جاء يفتحُ لي كأنّه من بني الشيطان في سبب
فقال: من أنت يا هذا؟ فقلتُ له مَنْ ذا يخاطبني؟ ما أنت من نسبي
الدارُ داري، لماذا أنت تسكنها من أنت؟ قل لي، فقد أكثرتَ من عجبي
فقال لي ساخراً: ما أنت صاحبُها لكنّ صاحبها من فاز بالغلبِ
* * * *
هكذا إذاً بدت فكرة العودة في الشعر الفلسطيني: حلم لا ينتهي، وإصرار لا يحدّ، وعزم لا يلين، للانطلاق الظافر نحو الأرض، تلك الأرض التي تنتظر أهلها، مثلما تنتظر الحقول القاحلة انهمار المطر.


هل أعجبك الموضوع؟؟
إقرأ المزيد Résuméaladdin

الخميس، 30 مايو 2013

حكاية




 من هنا بدات الحكاية 
حكاية وطن
 مكان جميل وامراة رائعة 
واخوة ينصتون
فالدرس عناونه فلسطين
من هنا خرجت وتعلمت
معنى الانين
والدمع الحزين
ملابس ممزقه وبرد قارص
ووعاء طبخ
عشب من السهول
ما اجملك يا امي
صايرة
تخفي الدمع
وتمنحينا الفرح
يا لقلبك الحنون
ارى في عينيك شئ
ما عرفته الا بعد
مرور السنين
 لن انسى لمبة كاز 
وبابور
فمنهم اخذت الدرس
الكبير
فنومة ارض عندي
تساوي القصور
والحرير
فالصورة معي لن
تفارقني ستبقى
حتى اللحن
الاخير

إقرأ المزيد Résuméaladdin